وَ جَفـَّـتْ الصُحُف

الاثنين، أبريل 14، 2008

حوار// مؤلف (روتين) عبدالواحد اليحيائي


مؤلف (روتين) عبدالواحد اليحيائي:

حين ننشر إلكترونياً نقف أمام خشبة المسرح مباشرة

موت الرقيب يتيح مجالات كبيرة للتجريب والمخالفة


غلاف روتين

حاورته: منال العويبيل
.
(روتين) أول إنتاج سردي للكاتب عبدالواحد اليحيائي، صدر مطلع العام 2008م عن دار المفردات متوجاً تجربته القصصية عبر الشبكة الالكترونية. اليحيائي أطلق وصف «صور قصصية» على هذا الإصدار الذي يجيء بعد تجربته الفكرية في إصداره الأول (مراجعات الماشي)، والذي يُنتظر تدشين طبعة ثانية منه خلال الفترة القادمة.. وبين صولات السرد وجولات الفلسفة كان لنا معه هذا اللقاء.
.
.
(1)
(نصٌ على نص)
في مقدمة (روتين) سيجد القارئ نفسه مع مسلك غير تقليدي لإهداء واسع، بحالة أشبه ما تكون لولوجه منزلاً يبدأ بمجلسٍ حميم لا يسبقه مدخل، وإن اختلف الأمر عن مجرد الإحصاء، إلا أنه احتل ما يصل إلى الصفحتين والنصف بتفاصيلٍ دافئة خلقها حضور زوجة المؤلف الموازي لدورها المعاش: بطلة! فظهر الإهداء بحميميةِ مضيفٍ (نص كامل) يأخذ القارئ بودية لحجراتِ النصوص الأخرى.
.
«وحيدٌ إلا من طيف متجدد لهذه المرأة التي ملأت حياتي فرحاً وأنساً ونظاماً رغم كل شيء. هذه المرأة التي يعنيها ألا يزعجني أحد، وألا يقلق راحتي أحد، وألا أسمع كلمة غبية من أحد»
روتين ص6
.
.
أما السؤال لعبدالواحد فكان: قدَّمت إهداء (روتين) لزوجتك.. لأي مدى كان لها حضور داخل الثنايا؟ ولأي مدى انتقلت الشخصيات بصفة عامة من اللحم والدم إلى الورق؟ ليجيب: الفن تجربة ومحاكاة ومعرفة عموماً، أين نصيب التجربة، وأين المحاكاة، وأين تجلت المعرفة الخالصة؟ لعل ذلك بعض ما يقوم به الناقد المتخصص، ومن هنا جاء قولهم إن معرفتنا الشخصية بالمبدع قد تفسد العمل في حسّنا كقراء وأيضاً قد ترتقي به طبقاً لما نعرفه عن تجربته، وما قد يخبرنا به مباشرة عن محاكاته لبعض الأحداث والشخصيات أو معرفته وثقافته الخاصة. كلنا ضد أن يُحَمّل (القاص) نتائج تصرفات (شخصيات) عمله أو تعاقب الأدوار و(أحداث) الزمان والمكان في هذا العمل، لكننا مع ذلك لا نستطيع نسيان أننا نكتب –كما أسلفت– ما جربناه وما أحسسنا به. وبالتأكيد لزوجتي حضور في غالب (الصور) التي تناولت الأسرة الصغيرة في هذا العمل. ولعلي حاولت أن أكون في هذه الصور مشغولاً بإنسان اللحم والدم كما هو في واقعه أكثر من حرصي عليه كما أريده أن يكون، أو كما أتمناه، أو كما أحاول افتراضه. الإنسان القريب مني: أنا، صديقي، أختي، أمي، أخي، زميلي في العمل، سكرتيرة رئيسي، زوجتي، ابنتي...الخ.
.
.
.
(2)
(النص الحافي)
حين سئل المخرج المسرحي والموسيقار (أسامة الرحباني) عن أهمية الاتجاه الواقعي في إنتاج الفنون بما يعكس الحياة المعاشة بأسلوب حَرْفِي أو ربما احترافي قال: من أراد الواقعية فلن يعدم إيجادها في الفن وبمستويات مميزة، أمّا من يريد الوثائقية الحرفية فليفتح نافذته ليراقب الحياة ويكتفي بذلك!
.
عبر (روتين) نجد الخط المباشر في التعاطي مع التفاصيل يأخذ طابعاً عادياً (جداً ربما)، حيث تتنقل بنا في مسارات تخلو من الدهشة التي تخبئ مفاجأة ما للقارئ، ولا يخلو الأمر من توقع النهاية التي تتجه لها بعض النصوص. فخلال الصور القصصية يبرز طابع اليحيائي المباشر في التعاطي مع بعض الشخصيات أو المواقف بما وسم أغلبها بطابع مفرط الواقعية حد الوثائقي في البعض الآخر، والذي قد يُظهر دوره كموثق لصور واقعية أكثر منه كمؤلف، ليوضح الأمر لنا بقوله: أردتها صوراً ولم أردها حكايات، وأردتها موثقة باللمحة السريعة وليس السرد المتصل والمفصَّل للعلاقات المتشعبة بين الأشخاص والأشياء والأفكار كما نفعل عادة في حكاية سواء أكانت قصة حكائية قصيرة أو رواية. أردت اقتناص الإنسان في بعض لحظاته، لحظة قد تطول قليلاً لكنها أقل تعقيداً من حكاية، وقد تقصر ولكنها تبحث عن طبع إنساني في شخصية إنسان عام يوجد هنا في الرياض، ويوجد بالقدر نفسه في برلين، أو نيويورك، أو فيتنام، أو تونس. هل يختلف الحب أو الألم الإنساني هنا عما هو موجود فعلاً في مناطق أخرى من العالم؟ لا أعتقد ذلك، قد يختلف في أسبابه ودواعيه لكن طبيعته واحدة لا تتغير. والواقعية مذهب أدبي له جدواه الكبيرة، ولعله أكثر التصاقاً بالإنسان سواء حين تقدمه بما يقدم عليه من تصرفات، أو بما يشغله من أفكار وطموحات وآراء تنعكس سلباً وإيجاباً على هذه التصرفات.
.
.
.
(3)
(عاش القارئ..مات المؤلف)
.
يركز العديد من النقاد وفي مقدمتهم (رولان بارت) على أن قارئ أي نص هو المبتغى والغاية المقصودة من وراء كل نص مكتوب بلا أدنى ريب، بحيث يكون هو غاية الكتابة وبغيره لا يصبح للنص فائدة تذكر. وبعيداً عمن قد يختلف أو يتفق مع هذه النظرية الشائكة ربما، نجد أن تصنيفات القراء في حد ذاتها باتت تأخذ أشكالا مغايرة عن تقليدية الاتجاهات: نخبوي وعادي، متذوق وباحث، وغير ذلك... .حتى نصل لاتجاهين فرضتهما ثورة الاتصالات باتت تتمثل في القارئ الالكتروني وقارئ المطبوع. ما بين تجربة النشر الكترونياً والإصدار المطبوع.. ما الذي يختلف بين قارئ الأول والثاني بالنسبة لليحيائي، ليجيب: حين ننشر الكترونياً فنحن نقف أمام خشبة المسرح مباشرة.. وحين نصدر مطبوعاً فنحن نوثق لمرحلة ما من أفكارنا، كما فعلنا مع النشر الالكتروني، لكن لن نحصل على رد الفعل المتوقع مباشرة وبطريقة سريعة كما هي الحال مع النشر الالكتروني. وأيضاً هناك قضية أخرى مهمة هي موت الرقيب الخارجي الكترونياً، وموت هذا الرقيب يتيح مجالات كبيرة للتجريب والمخالفة في بعض الأحيان. أما بالنسبة للقارئ فأعتقد أن القارئ الالكتروني (إن صحت تسميته بذلك) أكثر تقبلاً وانفتاحاً؛ بحكم متابعته شبه اليومية لكاتبه المفضل، وفي أكثر من موقع حواري أو ثقافي، وهو أيضاً أكثر تخلصاً من مآزق التصنيف والتحديد ومذاهب النقد ومدارس التفكير في الشرق والغرب. أما قارئ الإصدار المطبوع فهو في الغالب وبحكم متابعته للفكر في أغلب تنوعاته ومكتوباً أكثر منه مرئياً على شاشة حاسب آلي أكثر نخبوية وأكثر قدرة على تحديد صور الجمال والقبح في إبداع إنساني.
.
.
.
(4)
«أشياؤنا كامنة فينا هناك من يبعثها من جديد»
روتين ص25
.
هل يبدو من المبالغة في شيء إن قلنا: منذ بروز ظاهرة أحلام مستغانمي الروائية واللغة خيار ركيز في التجارب السردية. يخف حيناً أو يزيد، لكن غيابه بات استثناء. وخلال (روتين) نجد أن مداخل النصوص/ الصور كما المقطع السابق قد تكون الوحيدة التي اكتنفها شيء من الشاعرية في اللغة على مدى الكتاب. فهل هو موقف مقصود من اليحيائي تجاه نوعية اللغة في السرد؟ أم أنه رأى أن نوعية النصوص لا تحتمل هذا النسق من الشاعرية، يجيب: لا موقف محدد تجاه اللغة التي يكتب بها الكاتب، بمعنى أنني لا أرى أن هناك طريقة في الكتابة تتناسب تحديداً مع هذا التصنيف الفني أو ذاك. موقفي هو مع حرية الكاتب في أن يكتب بالطريقة التي يعتقد أنها تقدم أفكاره أو ما يريد التعبير عنه عموماً بطريقة أجمل. وكلمة (أجمل) هنا قد تشمل الوضوح أو الشاعرية أو مدى أكبر من الوحي والإيحاء أو غير ذلك مما يسعى إليه المبدعون. تعريف الشاعرية في نص أيضاً قضية تحتاج إلى تعريف، هل المقصود الكتابة بلغة شعرية تشغل نفسها والقارئ بخيال أو حلم أو أمل ما؟ أو أن نكتب بعيداً عن خيال مفترض وبكلمات بسيطة تنقل القارئ إلى مجال متخيل يهبه مسؤولية ما بعد وصول رسالتنا الفنية إليه؟ لعلي كنت مشغولا بالفكرة الثانية أكثر من الأولى في صور (روتين) ، وقد يأتي العمل القادم مختلفاً في كثير أو قليل.
.
.
.
(5)
«قد يتقبل الكثيرون النصح، لكن الحكماء فقط هم الذين يستفيدون منه»
بابليليوس سيرس
.
لم يعد الإعراض عن التجربة الالكترونية خياراً حكيماً ينهجه المبدعون، كونه قد يساهم _ودون أي مبالغة_ في جودة العمل، وتسويقه، وربما أكثر من ذلك.. لا أقل!وفي اتجاه أكثر تحديداً للكتّاب الالكترونيين _إن أمكن الوصف_ بات تدشين ما ينشرونه عبر الإنترنت على فترات مختلفة عبر المنتديات أو المواقع الشخصية وغيرها في كتاب مطبوع سمة واضحة لأغلب الإصدارات الحالية. على سبيل المثال سبق وطرق عبدالواحد اليحيائي هذه التجربة مع إصداره الأول (مراجعات الماشي) عبر سلسلة من المقالات المنشورة في منتديات جسد الثقافة، وها هو يكرر التجربة نسبياً في (روتين).. كأحد ممارسي هذا النمط كيف يرى هذه التجربة؟ يجيب: استفدت كثيراً مما قدمه لي الأصدقاء والصديقات الشبكيين في أكثر من مجال: التصحيح والتعديل، الملاحظة الذكية، المقترح النافع، النقد البناء، الأفكار الباعثة. بل وحتى الملاحظات السلبية صبت غالباً باتجاه الرغبة في الوصول إلى عمل جميل. بالنسبة لي فأنا مدين بالكثير لأصدقائي الشبكيين ويسعدني الاعتراف بذلك، وتجربة الكتابة في (الشبكة) ثم نقل المكتوب إلى الورق عبر إصدار مطبوع تستحق تقديم دراسة مقارنة متكاملة توضح ما يقوم به الكاتب (أو المبدع) الفرد في هذا المجال بين (مسودة) الشبكة وما صدرت به الأوراق بعد ذلك، أثق أننا سنجد الكثير من الفروقات اللافتة للنظر بتأثير الحرية المتاحة أولاً، وبتأثير الأصدقاء في الشبكة ثانياً.
.
.
.
(6)
«لنجرب بإنسان..لنجرب فيه..وليجربنا الإنسان»
روتين ص80
.
يتداول العامة مثلاً مفاده: «انقلب السحر على الساحر» ، والشاهد هنا ليس أن النقد من قبيل الشعوذة التي ترتد على متعاطيها بقدر تبادل الأدوار النسبي ليكون الناقد في مرمى النقد.. ولليحيائي رؤاه النقدية الخاصة ببعض الإصدارات أو التجارب عبر الشبكة.. فكيف هي علاقة إصدارية مع النقاد؟ وكيف كان حضور الناقد الذاتي أثناء التعامل مع كتاباتك الخاصة؟ يقول: (روتين) صدر حديثاً ولم يتح لكثير من القراء فضلاً عن النقاد الاطلاع عليه حتى الآن. أما (مراجعات الماشي) فقد أخذ حقه من الكتابة النقدية، وأعتقد أن الذين كتبوا عنه قد أنصفوه قارئين وناقدين ومستحثين، ولقد استفدت كثيراً مما قدم لي من أفكار في هذا المجال خاصة أن الكتاب على وشك الصدور في طبعة ثانية قريباً. أما الناقد الذاتي في كتاباتي الخاصة فهو قاس جداً كما عبر لي بعض أصدقائي معترضين خاصة أولئك الذين قرأوا الإصدارين قبل صدورهما ثم قرأوهما بعد الإصدار، لكني لا أفعل ذلك حين أكتب مباشرة بل أفعله بعد تمام الكتابة وبعد فترة قد تطول بعض الشيء وبعد الاطلاع على ملاحظات أصدقائي، بمعنى أني أتحول إلى ناقد في مواجهة عمل أدبي لكاتب أسعى إلى عدم معرفته شخصياً.
.
.
.
(7)
«حين لا بدَّ من بعدٍ مشغولٍ بالأبد..فلا بدَّ من قبلٍ ممهور بالأزل»
روتين ص104
.
إذا كانت الحكمة تقول أنه لا يجب الحكم على ميزات الأشخاص بمؤهلاتهم، ولكن باستخدامهم لهذه المؤهلات، نجد أنَّ للألقاب الأدبية وقعها الخاص الذي تفرضه الأنساق الإعلامية.. هل تعددية الأدوار الإبداعية تجعل المبدع في مأزق كيف يقدِّم نفسه.. كيف الأمر هو بالنسبة لليحيائي: قاص، كاتب صحفي، ناقد، مفكِّر؟ يقول: هو يقدم نفسه كمبدع لعمل فني وإن بنسب مختلفة، يستوي في ذلك أن يكون صحفياً أو قاصاً أو ناقداً أو مفكراً، ولا أرى أن عليه أن يقدم نفسه بطريقة ما. طبيعة العمل الذي سيقدمه لمجتمعه هو من سيفرض لقبه الأدبي في هذه المرحلة أو تلك. هو سيتقدم كمبدع وموضوع العمل قد يقدمه بلقب أدبي يسبق اسمه. وبالتالي فإن المبدع سيكون في مأزق حقاً إن لم يترك لإبداعه تحديد لقبه الآني، ولن يقع في هذا المأزق إن فكر في إبداعه وكيفية الرقي بهذا الإبداع متجنباً قضية العنوان العريض الذي يندرج تحته التصنيف الفني لإبداعه ما أمكنه ذلك. هذا ما أحاول أن أفعله دائماً.
.
.
.
(8)
«إذا أردت الاستمرار في المعرفة عليك أن تكون مستعداً طيلة حياتك لمواجهه خطورة الفشل»
جون جاردينر
.
إنَّ ثنائيات من قبيل: الوقت والجهد، الموهبة والاستمرارية، الاجتهاد والحصاد... . تتلازم في المعادلات الإبداعية كمكونات أساسية، كنوع من العمليات المثيرة التي تفتح المجال لتأمل قدرة المبدع على الجمع بين عيش الحياة ومتطلبات إبداعه. الإصدار الأول لليحيائي كان موشوماً بالفلسفة، والثاني كان سردياً، ما تراه القادم؟ أو ما يستشرفه حوله؟ يجيب: لدي بعض الترجمات التي تبحث عن ناشر مناسب، وأقوم بكتابة بعض السير التاريخية من وجهة نظر معاصرة، وأيضاً تتجمع لدي بحكم الكتابة والمتابعة المتواصلة بعض المقالات الفكرية على نمط كتابي (مراجعات الماشي) وأخرى سردية أسعى أن تختلف في أسلوبها ومنهجها عن منهج (الصور) لتكون أقرب إلى (الحكاية). وهناك أفكاري حول ما قرأت من الكتب مؤخراً، وإن كان هذا الأخير مشروعاً مؤجلاً حتى أوقن تماماً من تحوله من كتاب معروضات ثقافية إلى حوار أفكار مع الآخرين.
.
.
.
- مَخرَج -
من (روتين) :
«كان نسخة أخرى وكانت أصلاً وحيداً.كل شيء كما هو، لكنها لم تكن هناك. أراد أن يبقى في مكانها، ورغبت أن تحيا في زمنه.حين غابت أوقف لأجلها الزمن، وحين غاب لم يتوقف شيء.وهبته إلهامها، وأعطاها ذاته».

السبت، يناير 19، 2008

حوار// الناقد وعضو مجلس الشورى عبدالله الفيفي (2-2)


الناقد وعضو مجلس الشورى عبدالله الفيفي (2-2) :

جدليّاتنا الثقافيّة تتأخّر لأننا نبدأ مقلّدين متأخّرين

أهم ما يواجه أكاديميّاتنا القيود الإداريّة والماليّة





حاورته : منال العويبـيل

إن التلقائية التي يتجاوب بها د.عبدالله الفيفي تجعل محاوره رهن الاستزادة من التساؤلات، وليظل هو قيد الأريحية في الرد بكل ما يبعثه من تعمّق عرَضاً أو قصدا، وعبر هذا المقام نستكمل معه الجزء المتبقي من هذا اللقاء.


-1-
«إن شكل القصيدة كامن في قوانينها ونظمها، لكن روحها كامنة في جمالها الذي يحرك روح الجمال فينا»

_ طاغور_


يقع العديد من المتابعين في لبس شائع يتمثل في نظرهم إلى أن قصيدة النثر تقدم نفسها كبديل للقصيدة الموزونة ووريثة غير شرعية لها. وفي منتصف العام 2006م عُقد في بيروت مؤتمر بمناسبة مرور نصف قرن على ولادة قصيدة النثر، والذي طالته بعض الانتقادات التي رأت أن العرب ما زالوا يتعاملون مع قصيدة النثر وكأنها طازجة النشأة، ومؤكدةً أنَّ العالم عَبَر المشهد الشعري مرحلة ما بعد قصيدة النثر! فلماذا علق المشهد العربي في زحام متأخر للتنظير أو التبرير؟ ليجيب د.عبدالله : «ماذا بعد قصيدة النثر؟ قصيدة اللاقصيدة، أم قصيدة اللا لغة ؟ في الجنس الشعريّ لا ساحل أبعد من نزول القصيدة عن صهوة الشِّعر إلى النثر، لتصبح القصيدة : قصيدة نثر، لا قصيدة شِعر.
وفي رأيي أنه من الاختزال اعتداد المكوّن الموسيقي في الشِّعر مكوّنًا صوتيًّا فقط. ولا ينفصل الصوتيّ عن الدلاليّ في أي لغة، وأظهر ما يكون التلاحم بينهما في لغة موسيقيّة بطبيعتها كاللغة العربيّة. أمّا التأخّر في جدليّاتنا الثقافيّة بصفة عامّة؛ فلأننا نبدأ مقلّدين متأخّرين، متلقّفين ما يتناهى إلى أسماعنا فقط، حسب إمكانية السمع لدينا على الاستقبال، فيما لا تنتج حناجرنا بعض أصواتها؛ لذا قد يتأخّر بلوغ الصوت، فنظلّ في دوّامته، وإن انحسرت موجاته من الأثير.
لكن أنْ يوجد الجَدَل خير من أن لا يوجد، فهو دلالة حيويّة فكريّة، إنْ كان جَدَلاً، لا محض رفض أو قبول. وجود الجَدَل الصحّي مؤشر على سلامة الجسم الثقافي، والضِّيْق به مؤشّر على تعطّل الجهاز المناعي أو جهاز التمثّل الغذائي في ذلك الجسم».
.
.
ومن جانبٍ موازِ نجد أن د.عبدالله الشاعر لم يخض في قصيدة النثر، فهل ذلك من باب أنه لم يجد فيها ما يغري بالتجربة. يقول : «دعينا نتفق أوّلاً على شِعريّة قصيدة النثر. قصيدة النثر- كما أراها - تجربة نثريّة لا شِعريّة. (سوزان برنار) نفسها في مسألة قصيدة النثر وقصيدة الشِّعْر، تخلص - في آخر سطرٍ من كتابها - إلى أن قصيدة النثر ليست بتجديدٍ للشكل الشِّعريّ، بمقدار ما هي ثورة احتجاجٍ ونضالٍ فكريّة للإنسان ضدّ مصيره.
كما تؤكّد أن قصيدة النثر تلبّي حاجات فكريّة لا شِعريّة. ولا ينتقص كونُ قصيدة النثر نثرًا من قيمتها الممكنة، إلاّ إنْ اعتقدنا أن الشِّعر بالضرورة وفي كل الأحوال أعظم من النثر. وإذن لا رهان على أنّي لم أخض، أو لن أخوض في هذا الشكل من الكتابة، ولكن الرهان هو هل سأسمّي ما أكتبه باسمه التقليدي : قصيدة نثر؟ هل سأفرح بأني من أتباع هذا الحزب لا ذاك؟ لقد بات مصطلح قصيدة النثر تسميّة تقليديّة - كما رأيتُ في كتابي «حداثة النصّ الشِّعري»، أو في بحثي حول «قصيدة النَّثْرِيْلَة»، الذي ألقيته في مهرجان عكاظ الصيف الماضي، أو بحثي بعنوان «مآزق الشِّعريّة بين قصيدة النثر والقِصّة القصيرة جدًّا»، الذي أسهمت به في ملتقى نادي القصيم الأدبي، في شوّال الماضي. بات مصطلح (قصيدة النثر) مستودعًا بشتات من النصوص، ممّا يُسمّى (القصّة القصيرة جدًّا)، أو بعض شِعر التفعيلة، أو الخواطر العابرة، أو، أو... لأنها إذا أُسقطت المعايير الفنّيّة التي ظلّت تميّز جنس الشِّعر عن غيره - منذ آدم إلى أيّامنا - لن يستطيع أحدٌ بعدئذٍ أن يقول لكِ : ما الشِّعريّة ؟ أين تكمن ؟ أين العلامات الحدوديّة بين الشِّعري والنثري ؟ وعندئذٍ ستخضع الأمور لاستمزاج شخصيّ، أو ذوقٍ عامّ غير مدرّب، أو بعيدٍ عن الوعي العلميّ بفوارق الأجناس الأدبيّة. لقد قلتُ قبل هذا : إن قصيدة النثر تقتل نفسها حين تتزلّف الشِّعر، أو ترضى أن تمسي في عالم الأدب مُلْصَقًا شِعريًّا، لا أكثر ولا أقلّ».


-2-

«إذا لم تحاول أن تفعل شيئاً أبعد مما قد أتقنته، فلن تتقدم أبدا»

_رونالد اسبورت_


في وقتٍ سابق من العام 2007م، طرح د.عبد الله الفيفي دراسة تناول فيها شكلاً جديداً تبنته نصوص شعرية كلون جديد، يقع بَيْن قصيدة النثر والتفعيلة تحت مسمى «قصيدة النثريلة»، والمنتظر نشرها في إصدارٍ قادمٍ له، فهل ستفتح الباب لجدلية البدايات والريادات محلياً وعربياً ؟ وما أبرز نقاط الجدل التي قد تثيرها بنظره ؟ يجيب : «أنا سعيد بتلك الأصداء، على الرغم من أن الدراسة لم تُنشر بعد. إلاّ أنني في ذلك المقتحم البحثي لست من المنشغلين بالبدايات والريادات، بمقدار انشغالي برصد الظواهر. ذلك لأن الخوض في البدايات والريادات تضييع للوقت والجهد في جدليّات بلا طائل، ولا يمكن في مجال الفنون والآداب الجزم فيها بنتائج علميّة، فالأشكال الفنيّة تمرّ بتراكمات من التجارب، ومخاضات ومؤثّرات واسعة ومتشعّبة. فهل قصيدة النثر نفسها يمكن القطع بجدّتها على الأدب العربي ؟
ما أطلقتُ عليه أنا (قصيدة النَّثْرِيْلَة) - في اجتهاد اصطلاحيّ - هي عَتَبَة شِعريّة نثريّة، أجمل ما فيها أنها تمزج نوعين أريد لهما أن تقوم بينهما الفواصل والجُدُر، أو أن تُسمّى الأشكال البنائيّة فيهما بغير أسمائها. إنها قصيدة الشِّعر نثر، أو (النثر- تفعيلة). وهي شكل تلفت إليه نصوصٌ تصنّف عادةً في قصيدة النثر. غير أن إشكاليّة بعض كتّابها أنهم لا يريدون أن يعترفوا لأنفسهم بهذا الإنجاز، بل بعضهم يتبرّأ من ذلك، وكأنه يتبرّأ من نفسه؛ لأنه لا يريد إلاّ أن ينضوي ضمن قطيعٍ معيّن، لا يطمح إلى التفرّد ولا إلى استقلال الصوت، أو الإنجاز النوعيّ. وهذه من مفارقات حداثتنا المقلِّدة».


.
بالتالي، من الممكن اعتبار أسلوب «قصيدة النثريلة» نكوصاً غير صريح للنهج التقليدي للشعر (عبر حضور التقفية) ، وقد يُرى في الوقت ذاته ضرباً جديداً من التجريب.. بين الأولى والتالية كيف يرى ذلك د.عبدالله ؟ يقول : «في قصيدة النَّثْرِيْلَة تحضر التفعيلة قبل التقفية. وليس هنالك نهجٌ تقليديّ في الشِّعر الذي يستحق هذا الاسم، هناك شِعر أو لا شِعر. فإن كان المقصود بالتقليديّة بناء القصيدة العربيّة الخارجي، فليس هو مُحَدِّد الحداثة والتقليد، فكم من قصيدة موزونة مقفّاة أكثر حداثة (جوهريّة) من قصيدة تفعيلةٍ أو نثر.
نعم، هناك تقليد في البناء الظاهري للقصيدة العربيّة، بيد أن هناك في المقابل تقليدًا داخليًّا وخارجيًّا للقصيدة الغربيّة في الشِّعر الحديث! فهما تقليدان، بأيّهما اقتدينا مذهبيًّا ضللنا سبيل الإبداع، ولقلّما يخرج عنهما الشاعر العربيّ الحديث، إلاّ أنه يَعُدّ تقليد الآخر هو التجديد، وتقليد التراث هو وحده التقليد! أوليست قصيدة النثر نفسها تقليديّة ؟ أزعم أنها تقليديّة لتراثٍ عربيّ وغربيّ في آن، ولا جديد فيها يستحقّ الهالة المحاطة بها، إلا مفارقة الاسم (قصيدة / نثر)، فكيف نعدّها خطوة إلى الأمام لا نكوصًا، وأنتِ قد تجدين نماذج منها في ضروب النثر الفنّي العربيّ المختلفة، من «فنّ التوقيعات»، إلى «إشراقات الصوفيّة»، وحتى في بعض «سجع الكُهّان»؟!
أمّا قصيدة النَّثْرِيْلَة ففيها اختلاف نوعي، حسب تقديري، وهي على ضربين، ضرب تجريبي، ينتجه الكاتب عن وعيٍ بالفوارق بين التفعيلي والنثري، وضرب تلقائي، يتجسّد فيه الصدق النفسي، الخارج عن التقليديّات المشار إليها، أو بالأصحّ الخارج عن التقيّد بأيّ منها حذو القُذّة بالقُذّة؛ إذ يبدو أنه لا مفرّ من تقليدٍ ما في الإبداع عمومًا ! وهذا ما لفت نظري وحسّي في هذا الشكل غير المسمّى من قبل، أعني : قصيدة النَّثْرِيْلَة. وأراه هنا والآن ثمرة المخاض العربي لأكثر من نصف قرنٍ بين القصيدة العربيّة وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وإنْ وُجد كالعادة من يودّ وأد هذا المولود، أو الحيلولة دون منحه شهادة ميلاد، حتى من قِبَل كتّابه أنفسهم. إن قصيدة النَّثْرِيْلَة ليست نبتًا شيطانيًّا، بل هي القصيدة العربيّة تستعيد بكارتها، بعيدًا عن ضوضاء التمذهب».


-3-

«إن الدعوة لانقلاب في فهم الحداثة الشعرية العربية تقتضي الدعوة لانقلاب مماثل في نقدها»

_أدونيس_

يجد المتابع لمجال الدراسات والبحوث الخاصة بالشعر اتجاه العديد من الأسماء الأكاديمية لتناول التجارب المتقدمة من العصور العربية (الجاهلية، والإسلامية الأولى) وبرغم حرية البحث العلمي واختيارات الدارس نتساءل عن تغييب المراحل الحديثة بوضوح، هل تراها ضغوطات أيديولوجية، أو أن التجارب الحديثة عبر المشهد العربي لم تجد لها فسحة في الأطروحات المحلية بما يفي ؟ يجيب د.عبدالله : «ليس تقليلاً من شأن التراث وأهميّة دراسته أن نعترف بتقصيرٍ ما في دراسة الأدب الحديث. دراسة التراث ليست ترفًا، بل هو أمر أشدّ إلحاحًا، وأكثر حضورًا، في مختلف الثقافات، لا في الثقافة العربيّة وحدها؛ بما هو أساس التكوين، وامتداد الجذور. قد لا يكون الشأن مع المراحل الحديثة «تغييبًا»، فالمؤتمرات، والندوات، والبحوث عن الأدب الحديث أكثر اليوم منها عن الأدب القديم. أمّا الأبعاد الأيديولوجيّة، فحاضرة بلا شكّ في كل مكان، وإلاّ لما غابت التجربة الحديثة من المناهج التعليميّة العامّة، وقلّت في الدراسات الجامعيّة والعليا. مع عدم إغفال اشتراطات علميّة موضوعيّة هنا، تتعلّق بالبُعد الزمني والحضور الكمّي والنوعيّ، لا بدّ من توافرها لوصول التجربة إلى مستوى الصلاحيّة لتناولٍ أكاديمي» .

.

ومن ناحية مقاربة، نسأل د.عبدالله عن سطوة الأيديولوجيا التي خنقت الشعر في ذروة حداثة النص الشعري السعودي أين تقف من شعر اليوم ؟ وهل تحولت نوعية العلاقة من الصدام للحياد ؟ فيقول : «الأيديولوجيا إرث مشترك، تراثي وحداثي. ولا يمكن أن تخنق الشِّعر الحقيقي - وغير المؤدلج بدوره - والتاريخ شاهد على هذا. كما أن الحداثة لا ذروة لها، إنْ كانت حداثة، لا موجة عابرة. ربما كانت الأجواء الآن أفضل منها قبل عشرين سنة، لكن هذا مؤثّر ثقافي أكثر منه أدبي، بمعنى أن النصّ الأدبي قد يزدهر بالضغوط، وتتطوّر جمالياته بتحديّات الرقابة، أكثر مما يفعل دون قيام تلك الحوافز في الواقع الثقافي. للأدب سواقيه، وله منطقه، وتعليق إنجازاته على العراقيل الثقافيّة هو إعلان عجز فنّي وثقافي معًا. لعلّ المشكل في نظرتنا إلى الحركة الأدبيّة أننا نرهنها بأسماء ينمّطها الإعلام، فإنْ هي ماتت، زمنيًّا أو فنّيًّا، أعلنّا البكاء على أطلالها، وأنه قد «ذهب الذين يُعاش في أكنافهم»، دون التفاتٍ إلى التحوّلات، وإلى الأجيال اللاحقة، الذين يمثّلون حداثتهم المختلفة، وكأننا بذلك نَدْخُل من حداثةٍ في دائرة قدامة باسم الحداثة، تلك هي العقليّة الأزليّة ذاتها التي يواجهها كل جيلٍ مع من سبقه».

.

-4-

«دخلت الجامعة جاهلاً متواضعاً، وخرجت منها جاهلاً مغروراً»

_رجل الدولة عبدالعزيز التويجري_

.
في وقت سابق من العام الماضي تصدّرت وسائل الإعلام المحلية أخبار آخر الإحصاءات العالمية للجامعات والأكاديميات حول العالم، وما جعل ذلك مثار جدلٍ محلي هو حلول أبرز الجامعات المحلية في مراتب متأخرة (جداً ربما!). د.عبدالله ارتبط بالتدريس الجامعي منذ تخرجه من قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود كمعيد، وخلال تحصيله لدرجاته العلمية ظل متمسكاً بدوره التعليمي. ومؤخراً ابتعد عن التدريس في الجامعة، ترى ما الذي يفتقده في ذلك العالم ؟ وكيف يرى الانتقادات الأخيرة التي طالت الجهات الأكاديمية ؟ يجيب : «لم أبتعد كليًّا.. ولن. ما افتقدته - جزئيًّا، ومؤقتًا - هو التدريس فقط. وهو عالم له عشقه في نفسي، فليس أجمل من شعور الإنسان أنه يستزرع العقول والنفوس والبشر. أمّا الانتقادات في كل اتجاه فكثيرة، «وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها»؟! ليس في هذا دفاع عن السجايا الأكاديميّة؛ إذ لعل أهم ما يواجه أكاديميّاتنا في المملكة تلك القيود الإداريّة والماليّة التي تحدّ من الاستقلاليّة، ومن ثمّ تكبّل الفعاليّة الجامعيّة المنشودة. يضاف إلى ذلك أهميّة الرعاية المنصفة لحقوق أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، ماديًّا ومعنويًّا؛ فليس من المعقول أن يعامل من أنفق عمره في البحث والترحّل طلبًا للعلم، واشتغل بالتعليم الجامعي، وبالإشراف على مشاريع عِلميّة، وكأنه أحيانًا مستخدم في دائرة حكوميّة، دون التفاتٍ إلى خصوصيّة وضعه، ولا إلى شروطه الاجتماعيّة، وحاجاته العلميّة والعمليّة، من حيث هو إنسان باحث، رمى مغريات الدنيا وراء ظهره ناذرًا حياته لهذا المجال، الذي الاشتغال فيه ليس مكلفًا عُمريًّا وجهديًّا فحسب بل وماديًّا أيضًا.
من جهة أخرى، فإن جامعاتنا حَريّة، بعد استيعاب طلبتنا، أن لا تتحوّل إلى معتقلات، بعيدة عن الحُريّة في إقامة النشاطات الثقافيّة والترويحيّة المختلفة، ولا أن تغدو مجرد ثانويّات ضخمة، لا يعيش فيها الطالب أجواء الحياة الجامعيّة الخصبة، التي لا تكتفي بأن تعلّم أو تُلقّن، بل هي تربّي، وتُنضج شخصيّة الطالب والطالبة، وتُحفّز مواهبهما».


-5-

«الحضارة هي تزايد لا محدود لضروريات غير ضرورية»

_مارك توين_


يرى الشاعر الهندي والحائز على جائزة نوبل «طاغور» في إحدى فلسفاته عن إيقاع العصر الحديث، وما جرته على البشر أن الواقع صار أشبه بأن كلَّ يوم في هذا العصر صار يصرف وقتًا للحصول على عُدَّة الحياة أكثر مما يصرف للتمتع بها. وبين المسئوليات الرسمية والإبداعية والبحثية للدكتور الفيفي تتكاثف الضغوط حتى تبدو الـ 24 ساعة لا تفي. فكيف هي قراءاته خارج هذه المسئوليات ؟ وما الذي بقي فيه من مزارع فيفاء (تلك المدينة التي تمشّط جبالها الغيوم العابرة) ؟ ليجيب : «بقي الحُلْم، حُلم البقاء وفيًّا لفَيْفاء بحجم الوطن والإنسانيّة. كل ما ذكرتِه - رسميًّا وإبداعيًّا وبحثيًّا - لا ينفصل بعضه عن بعض. هي قصيدة واحدة، تتنوّع بحورها. من الغرور الشعريّ الزعم أن الإبداع لا حضور له خارج القصيدة. سأغنّي :

فيفــاءُ، يا كـأسَ النَّدامـَى إنْ هُــمُ
ظـمئُـوا لطلِّـكِ أكؤساً أو أكْـبُـدا!
.
مـدّي جناحـَـــكِ، حَلِّقي رَيَّانـَـةً
بطموحكِ الوَثــَّابِ، حُـجِّي الأَمْجَدا!
.
فعـقابـُكِ الشـاهـينُ يصطادُ السُّـهَـا
وعقـابـُكِ الإنسانُ يصطـادُ العِـدَى!
.
يـا غادةً حَلُمَتْ فغادرَ حُـلـْمـُهـــا
«نـَيْداً» تـَدانـَى أو»حَبـِيْلاً» مُصْعِـدا
.
يا مَـن يُرى فيهـا الـمُـحـَالُ حقـيقةً
وتدورُ في يـدهـا الهـُنَيْهَـةُ سَـرْمـَدا
.
أهـْـمـِي عليـكِ مَحبَّةً لا يمــَّحـي
حِـنـَّاؤها، وأصوغُ جِيْدَكِ عـَسْـجَدا
.
فيفـاء، كـلّ ثـرى العـروبـةِ مُوْحِـلٌ
هـلاّ وهـبتِ ثـراي نجـماً يُهـتدى؟!
.
إني سـألـتكِ.. تأكـلُ الفوضـى يـدي
وأضـمّ من تعـبي على تعـبي الـيـدا!
.
ففَيفاء فيّ هي حلم الطفولة، وتشوّف الشباب إلى أن تصبح جنّةً سياحيّة. ربما كانت قد فقدتْ بعض عذريّتها بفتح الطرق منذ قرابة ربع قرن، وما لحق ذلك من غزو الحديد والإسمنت وجهها النديّ، فليس أقلّ إذن من أن تكون عروسًا من عرائس المملكة. هذا يتطلّب بنية تحتيّة، لا تزال متواضعة جدًّا. وحتى الطُّرق كانت تستوجب التفريق بين الصحراويّ منها والجبليّ، سواء من حيث مواد بنائها أو أخذ العدّة لصيانتها، بحسب الظروف التضاريسيّة والتقلّبات المناخيّة. كما يتطلّب الأمر توفير المياه قبل كل شيء، ففَيْفاء لا تزال تعتمد في شربها - فضلاً عن مزارعها - على ماء السماء. تلك فَيْفاء التي شبّهها المستر فيلبي، لمّا زارها عام 1936م -1354هـ، بجبل هرمون، بدون ثلوجه طبعًا، وهرمون أحد أجمل الأماكن على الأرض، يقع في جنوب سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن فَيْفاء / هرمون تتطلّع في الواقع إلى التفاتة جادّة، على الأقل كي يصبح تشبيه فيلبي الذي اقترحه قبل سبعين سنة في كتابه «مرتفعات الجزيرة العربيّة» صحيحًا من الناحية البلاغيّة».
- اتجاه -
www.khayma.com/faify


الأربعاء، يناير 09، 2008

قراءة// «الدراسة في الخارج».. دليلك الشخصي نحو الابتعاث


كتاب يقدم شرحاً عن حياة الطلاب الملتحقين بالجامعات الأجنبية:
«الدراسة في الخارج».. دليلك الشخصي نحو الابتعاث
.
-غلاف الكتاب-
.

قراءة: منال العويبيل

غالباً ما نجد أن المرجع الأساسي للطلبة والطالبات الراغبين في الابتعاث الخارجي _ بعيداً عن الخبرات الشخصية ووسائل الإعلام _ هو الوسيلة الأكثر رواجاً بين مختلف فئات المجتمع والمتمثلة بوكالة: «يقولون»!
وعبر كتاب «الدراسة في الخارج» يقدم عضو هيئة التدريس بكلية التربية بجامعة الملك سعود د. عبد العزيز بن عبدالله بن طالب مرجعاً شاملاً يضم الكثير من المعلومات القيمة عن الابتعاث، وما قد يحتاجه المتقدم لخوض هذه التجربة الفارقة، عبر دمج الخبرات الشخصية للمؤلف، الذي سبق له الابتعاث لنيل شهادة الماجستير والدكتوراة من جامعة تكساس بأوستن، إضافة إلى حشد وافر من المعلومات المختلفة، والموثقة رسمياً عن العديد من الجامعات والمعاهد حول العالم.
.
إن المطّلع على ثنايا الكتاب يجده يقدم الهدف الرئيس، الذي قصد إليه مؤلفه بكل وضوح وانسيابية، فمنذ صفحاته الأولى سيجد القارئ نفسه إزاء مجموعة من الإرشادات، التي لم ينحصر توجهها فقط للمبتعث المحلي، بل ما يمكن أن يستفيد منها جميع الطلبة والطالبات العرب ممن يرغبون إكمال مسيرتهم التعليمية خارج حدود الوطن العربي، دون اقتصار ذلك على المعلومات الأكاديمية البحتة، بل التوسع حول النواحي التنظيمية والثقافية والاجتماعية.. وغيرها.
.
وعلى مدى 14 فصلاً ميسّرة العرض، ينتقل المؤلف بقارئه من الإطار النظري عن فكرة الدراسة في الخارج بملابساتها التاريخية، وما قدمته تالياً من نتائج تنموية لافتة. حتى يصل لعرض مثل هذه الآثار الإيجابية في دول آسيوية كالصين واليابان وكوريا وماليزيا، والتي ساهمت دراسة مبتعثيها في تحقيق تطورات لافتة في التقدم الاقتصادي ودفع حراك التنمية في تلك البلدان. ومن ثم يتعمق الكاتب مع الإجراءات اللازمة والأنظمة الجامعية، بدءاً من اختيار مقر الدراسة، ووصولاً لعملية الاستعداد للسفر، والشئون الحياتية في الوجهة التي اختارها الدارس.
.
إن من أبرز المحطات المميزة، التي يقف عليها المؤلف، هي الأفكار السلبية، التي تخلط حابل الابتعاث للدراسة بنابل الانحراف والافتتان بالغرب، إن لم يصل مؤشر المخاوف للخشية من رغبة المبتعث في الاستقرار هناك بعد خوض التجربة، حيث يعرض المؤلف أبرز المخاوف السلبية التي تدور في بال العديدين في المجتمع مفنداً الرؤى المغلوطة منها بأسلوب منطقي.
.
ولكل من يظن أن طائل برامج المنح وبعثات الدراسة الخارجية لا تتعدى المكاسب الشخصية للمبتعثين، ومحيطهم الصغير، يعرض المؤلف بالإحصائيات ونتائج الدراسات أبرز الآثار الإيجابية على دول المبتعثين، بل والعائد الاقتصادي والثقافي الذي يطال الدول التي تستقبل الطلبة الأجانب.كما يضيف المؤلف قراءات تحليلية لأهم الإحصائيات، التي تعرضها الأرقام المختلفة، على سبيل المثال حين نعلم أن عدد الأجانب في الولايات المتحدة وحدها عام 2004 وصل إلى 509,572 طالبا وطالبة. وإذا كانت إحدى الأفكار الشائعة اجتماعياً تعزو مثل هذه الأرقام الضخمة للانبهار المحموم بالولايات المتحدة الذي يفرزه الإعلام، يوضح المؤلف على محك واقعي المميزات الفعلية للجامعات والمؤسسات التعليمية والمرونة الجاذبة للنظام التعليمي، والاهتمام بالبحث العلمي، والتنوع الكبير للتخصصات. وعلى عكس النظرة النمطية حول العنصرية الأمريكية يجد الدارس هناك أن التنوع العرقي والديني والثقافي للولايات المتحدة يبدد الشعور بالغربة، ويدعم حافز الإبداع.
.
وبينما تخصص أهم الشركات والمؤسسات العالمية الميزانيات الكبيرة لفرق التخطيط، ودراسة الجدوى، يُهمل العديد التمثل بهذا النظام على الصعيد الشخصي. فعطفاً على موضوع الدراسة في الخارج لا ينكر عدد مماثل مصادفتهم لصنفين من الراغبين بالدراسة خارج بلدانهم وهم: ممن ينحون لاستسهال العملية بإفراط، أو العكس من ذلك حيث الاستصعاب الذي يجر معه تعقيد الكثير من الأمور التي قد تقف حائلاً في وجه الراغب نهاية المطاف. وبالتالي يأتي خيار التخطيط الموضوعي لهذه التجربة كخيار سلامةٍ أولى يضع في حساباته كافة الجوانب، وبواقعية لا تُهمل أية صغائر، كونها على حد تعبير المؤلف «رحلة عمر» وتجربة فريدة على جميع المستويات التي لا تنحصر في نيل درجة علمية أو شهادة دراسية.
.
وعلى الصعيد الإخراجي نجد أن المؤلف قدم كتابه بمستوى عال من الاحترافية التي تخدم أهدافه، وبتميز واضح على مستوى الصور والألوان والفواصل والاقتباسات والاستشهادات البليغة والصور البيانية وغير ذلك. فعلى سبيل المثال يوجد مع كل استهلال فصل الترتيب التنازلي لأفضل 15 جامعة ومعهد حول العالم، والذي تتصدره حالياً جامعة هارفارد العريقة، وصولاً لجامعة تكساس بأوستن، والتي تحتل المرتبة 15 بناءً على قائمة أفضل 200 جامعة على مستوى العالم. يليه اقتباس يتماهى مع فكرة طرح الفصل لشخصيات عالمية بارزة على الصعيد العلمي والفكري والثقافي تمهد رؤاهم ومقولاتهم للقادم من المعلومات بكل جمالية وترقب.يشار إلى أن الطبعة الثانية من الكتاب قد صدرت في فترة قياسية لم تتجاوز التسعة أشهر، كما أفرد له المؤلف صفحة خاصة على شبكة الإنترنت: http://www.taleb.net/.
.
إنه كتاب لن يفيد الراغب في الابتعاث ومن يحيطون به من العائلة المهتمة وما إلى ذلك بشكل مخصوص، بل يضيء الصورة للجهات الحكومية أو الخاصة في الوطن العربي المختصة بالإشراف على برامج المنح الدراسية والتدريبية للطلاب عامة، أو منسوبيها على وجه أخص. كما قد يمنح الكتاب فرصة لأولئك المترددين، أو المرتابين من هذه الخطوة، للاستزادة حول تجربة الدراسة في الخارج، ليكونوا -ولو بأضعف الإيمان- على بينة من واقع ذلك. وعلى يقين من الاستفادة الكبيرة التي سينالها المهتم بهذا الموضوع لا ننسى أن ننوه القارئ بعد تصفح الكتاب ألا يتسرع بحزم حقائبه قبل استيفاء الإجراءات اللازمة.

الثلاثاء، يناير 08، 2008

حوار// الدكتور عبدالله الفيفي (1-2)


الناقد وعضو مجلس الشورى الدكتور عبدالله الفيفي (1-2) :
إعلامنا لا يعكس القضايا المطروحة في مجلس الشورى بدقّة

ليست لدينا تجارب سينمائيّة تُذكر ليلتفّ حولها جهد نقديّ



حاورته : منال العويبـيل
حينما يتبادر إلى ذهن السائل مشاكسة د.عبدالله الفيفي بالأسئلة لن يخشى من ارتداد تقليدي الإجابات التي تبدأ بمفرداتٍ من قبيل : في الحقيقة، والواقع... . وسواء حاورت الناقد، أو الشاعر، أو عضو مجلس الشورى ستجد ذات الشخصية التي لا تحاذي الأسئلة دون أن تقطعها بكل صراحة ممكنة.
.
-1-
«الحقيقة بلاد لا طرق فيها»
_الفيلسوف الهندي كريشنامورتي_
.
«سيسمحون.. لن يسمحوا».. هي أكثر عبارات العامة رواجاً حيال أي قضية شائكة تُطرح في مجلس الشورى، منهم من يتداولها على غرار الرهان، أو الجدل، وقد يظهر بعض المعنيين بصورة كلاسيكية لحامل زهرة يقطف بتلاتها _على سبيل الأمل_ وعلى ذات الوزن : «سيسمحون.. لن يسمحوا».
في السنوات القليلة الماضية كانت قضية السماح بممارسة الرياضة البدنية للفتيات في المدارس، قيادة المرأة للسيارة، وصولاً لدُور السينما والمسارح من المواضيع الأكثر جدلاً في أوساط العامة، والتي نالت نصيبها أيضاً من التسليط الإعلامي خارج المملكة، بعد فترة من الهدوء النسبي للقضايا المطروحة على منبر حوار مجلس الشورى.. ما رؤية د.عبدالله الشخصية عضو المجلس منذ عام 2005م لهذه النقلة؟ وما نظرته لهذه القضايا الجدلية؟ يجيب : «مثل هذا السؤال يوجّه في رأيي إلى الإعلام، فهو الذي يهدأ أو يثور. وقد يثور ويُثير قضايا مرّت عَرَضًا، وقد يهدأ في صدد قضايا أكثر أهميّة للمواطن وأقوى طرحًا من خلال المجلس. وأعتقد أنه بسلوكه هذا لا يعكس القضايا الكثيرة التي تُطرح في المجلس بدقّة، ولا ينقل ما يتخذه المجلس من قرارات في شتى المجالات أو يسنّه من أنظمة تستغرق من الجهد والوقت والمناقشة الكثير. هذا فضلاً عن أن يكون للإعلام دوره بصفته وسيطًا أمينًا ومحايدًا بين المجلس والرأي العام. إنْ هي إلا كلمات تمرّ هنا أو هناك، ليركض وراءها إعلام «الخبطة العشوائيّة»؛ لأنها صادفت هوى، أو وافقت أسئلة جدليّة لدى شريحة ما، أو نكأت موقفًا من المواقف. ومهما يكن من أمر، فأنا مع مناقشة جميع القضايا التي تهم الوطن والمواطن، من قضايا المعيشة، والتعليم، والعمل، والمرأة، والفكر والثقافة، بشفافيّة تامّة، وفق صلاحيات المجلس، والمسؤوليّات الموكلة إليه، وفي إطار أولويّات لما يمسّ حياة الإنسان، وضمن رؤية شاملة، لا جزئيّة، ولا منحازة لتيّار معيّن أو مصلحة خاصّة، تعلو فوق ما تقتضيه المصلحة العامّة. أنا من المنادين بترسيخ هذا النهج واستمراره وزيادته وتطويره، وأن يؤدّي الإعلام رسالته، في دقّة وموضوعيّة واعتدال، لنقل الصورة الحقيقيّة من المجلس وإليه».
.
.
.
-2-
«إن كل الأساطير والانعكاسات الموضوعية لمخيلات الشعوب منذ ألوف السنين تنتظر البعث الضوئي، أي السينما»
_المخرج الفرنسـي آبيل غانس_
.
يمكن للمتأمل في الولادات السينمائية المحلية لمس الارتباك الحاصل حول أسس هذه الصناعة من عدة نواح، خاصةً في البون الشاسع بين التنظير الفاخر الذي يقرأه عبر الإعلام والواقع الركيك لسواد التجارب. ويذكر د.كاظم مؤنس (أستاذ فن الإخراج السينمائي) أن للبسِ الحاصل بين مفهوم النقد السينمائي - البصري والأدبي دورا مؤثرا في هذه العملية، حيث يخلط الكثيرون بين المفهومين، فتنتج رؤى ملتبسة تؤصِّل الأخطاء بالتقادم. ونجد أنَّ ظهور التجارب السينمائية محلياً أثار ذات الإشكالية التي يطرحها الأدباء والتشكيليون : غياب النقد. مع استثناء بعض الاجتهادات الإعلامية التي قد تترجم فكرة د.مؤنس. من وجهة نظر د.عبدالله الفيفي كأستاذ للنقد الحديث ما هو النهج الصحيح للتعامل مع فن يفتقد احترافية صانعيه فكيف بنقاده؟ يجيب : «دعينا نعترف أنه ليست لدينا محلّيًّا تجارب سينمائيّة تُذكر لكي يلتفّ حولها جهد نقديّ. بخلاف الحركة التشكيليّة. إن السينما والمسرح هما وسيلتا تعبير، أُولاهما معاصرة والأخرى قديمة قِدمَ الإغريق. يمكن أن تستخدما فيما يفيد وفيما يضرّ، تمامًا كالتلفاز، والمذياع، والهاتف المحمول، والإنترنت، والقناة الفضائية،،، إلخ. هي تقنيات محايدة في حدّ ذاتها، وما التردّد حيالها إلا لأنها ارتبطت بذاكرة أخلاقيّة ما، إلاّ أنه من عدم الحكمة ولا العدل التوقف عند لفظ (سينما) والغفلة عن المحتوى، الذي قد يكون صالحًا أو طالحًا. إنما مَثَل من مَنَع السينما أو المسرح هنا كمَثَل من مَنَع العطاشى من شرب ماء حتى ماتوا من العطش؛ بحُجّة أن قومًا ما شَرِقوا به فماتوا، على حدّ تشبيه (ابن رُشد)- في «فصل المقال»- حال من حرّموا الفلسفة. ولربما كان فيلم سينمائي، أو عرض مسرحيّ، أبلغ تأثيرًا من ألف كتاب. ونحن اليوم في عصر التقنية، والصورة. حتى الثقافة الورقيّة باتت مهدّدة بالتراجع لحساب الثقافة الإلكترونيّة والتلفازيّة. وفي هذا المضمار المعاصر، سيكون من المكابرة، والدعوة إلى التخلّف، الزعم بأننا في غنى عن الأخذ بهذه الوسائل الحديثة، تعليمًا، وتوعية، وتثقيفًا، ومدافعة في معترك الحياة، حيث يتلقّى الناس منّا بشكل أقوى وأسرع بما لا يقارن بتلقيهم مقالة أو قصيدة أو خطبة أو كتابًا ونحوها من وسائل التواصل الثقافية العتيقة. لقد غابت الفنون الموضوعيّة التشخيصيّة - من ملحمة ودراما - من تراثنا الأدبي العربي لأسباب ثقافيّة. وثقافة البيئة العربية ظلّت ثقافة قَبَليَّة، بكلّ قِيَمها النمطيّة، وعُزلتها الاجتماعيّة، وواحديّتها الرؤيويّة؛ حيث لا مجتمع مدنيًّا، ولا تعدّدية، ولا قابليّة حوار. فكانت تلك بيئة غير صالحة -أساسًا- لنشوء فنون كتلك. على أن تلك المعوّقات الثقافيّة تستحيل مع الزمن إلى معوّقات ذهنيّة، تسيطر على لغة الإنسان وخياله، وإن كان قد هجر بيئة إلى بيئة، وانتقل من مجتمع إلى مجتمع، فغادر قِيَمًا ثقافيّة إلى أخرى. ذلك هو سجلّنا الثقافيّ. فإذا غيّرنا ما بأنفسنا، كما يجب، فتوطّنت تلك المفاهيم - الحديثة علينا القديمة لدى غيرنا - فنشأت حركة فنّيّة سينمائيّة ومسرحيّة حقيقيّة في المملكة، تضاهي النقلة الحضاريّة التي تشهدها، سيأتي عندها النقد، ويسوغ السؤال عن : مدى مواكبته؟».
.
.
.
-3-
«لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين»
_حديث شريف_
.
كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : «إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب, فإن الشعر ديوان العرب». كما كان إذا سُئل عن شيء من القرآن أنشد شعرا. وفي هذا الأثر تتبدى العلاقة الأصيلة بين العرب والشعر منذ عصر الإسلام الأول، كإرثٍ ثقافي تاريخي للمنطقة بشكل عام. وعلى صعيد مراحل متقدمة نجد أن بعض الرؤى النقدية باتت تحول القارئ إلى منتِج للنص، وعنصر فعال يشارك في عملية صياغته، ولو بطريقة ثانوية، إلا أن سواد قراء الشعر العربي لا يحتاجون في الغالب لوساطة النقاد لتنصيبهم لهذا الدور، بما يشبه وصاية على صياغة الشعر، والتصدي لتيارات التجريب. نسأل د.عبدالله لماذا تبزغ هذه الحساسية في التعامل مع التجريب في النص الشعري؟ ليجيب : «لأن الشِّعر حامل اللغة الأوّل، في جميع الأُمم. وهو الجسد المتشكّل من روح الشَّعب. فالتجريب فيه يمسّ تلك المعطيات العضويّة في بناء الشخصيّة الإنسانيّة. ثمّ إن للشِّعر بناءً مائزًا، بخلاف النثر، الذي هو فنّ الحريّة المطلقة في البناء والتشكيل».
.
وعلى صعيدٍ مواز نجد أن العرب باتوا ينظرون لفنِّ الرواية بترقب متفائل من القادم، أما الشعر فيرمقونه بحنينٍ لماضيه القريب أو الأبعد! لنسأل د.عبدالله لماذا هذه النوستالجيا المقيمة تجاه الشعر، وكأن الآتي منه هو باتجاه الأردأ؟ يقول : «الشِّعر هو ديوان الضمير الإنساني، وسِجلّ التاريخ، ومستودع اللغة، ولاسيما في أُمّة شاعرة، كالأمّة العربيّة، الشِّعر فنّها الأول، ورصيدها الجمالي العظيم. لذلك فالقلق بشأنه لا يمكن أن يعادِل القلق بشأن فنٍّ حديث كالقِصّة والرواية. غير أن القلق على مستقبل الشِّعر لا يخصّ العرب وحدهم، لكنه قلق عالميّ، يثيره الشاعر الأمريكي (دانا جيويا) - مثلاً- من خلال كتابه «أما زال للشِّعر مَحَلّ؟». والأمر لا يتعلّق هنا بمستوى الجودة، بل بمستقبل وجود الشِّعر من حيث هو، في عصرٍ تتخطّفه الماديّات والأيديولوجيّات».
.
.
.
-4-
«خنت الشعر مرة فخانني للأبد»
_أحلام مستغانمي في حديثٍ حول توقفها عن كتابة الشعر_
.
يضمِّن د.عبدالله في كتابه (حداثة النص الشعري في المملكة العربية السعودية) رؤية مفادها أن سواد النقاد تخلوا عن مهمة السمسرة في سوق الشعر، ليجدوا في السرد ضالتهم المثلى. ومن هذا المنطلق نسأله عن حالات موازية تتمثل في نزوح الشعراء للسرد بأسماء تتخلى بالتواتر عن الشِّعر باتجاه الرواية والقصة القصيرة؟ يجيب : «عبر التاريخ الأدبي كانت الرواية شِعرًا، من خلال الملحمة، وكان الأدب كلّه ينبتُ شِعرًا، وما زال الشِّعر نموذج الأدب الأرقى. إلاّ أن الشاعر الحقيقي لا يتخلّى عن الشِّعر إلاّ بتخلّيه عن الحياة. أمّا التجريب فجادّة مشروعة، ومثرية. لقد كنتُ طرحتُ بحثًا عام 2006 بعنوان «القصـيدة - الرواية : تداخل الأجناس في بلاغيّات النصّ المعاصر»، قدّمته في المؤتمر الدولي الرابع للنقد الأدبي، البلاغة والدراسات البلاغيّة، الذي أقامته الجمعية المصريّة للنقد الأدبي، بالتعاون مع جامعة عين شمس، في القاهرة 1-5 نوفمبر 2006. وقبل ذلك بسِتّ سنوات تقريبًا كنتُ اقترحتُ هذا المصطلح، ونشرتُ قراءات حول بعض الأعمال الكتابيّة منه في السعوديّة. لقد رأيتُ في تلك البحوث أنه إذا كانت الرواية في العصر الحديث قد جاءت وريثة الملحمة الشعريّة، فإن «القصيدة - الرواية» تأتي بمثابة ارتدادٍ إلى نوع من ذلك الجنس الأدبي المهجور. غير أن (القصيدة - الرواية) تتخلّص من حِدّة الحضور ذي الوجود الكامل لكلا الجنسين - الشِّعريّ والروائيّ - كي تُنشئ نمطاً جديداً من التماهي بينهما، وإنْ كانت كفّة الشِّعريّ فيها تميل إلى الرجحان. وما قامت عليه أطروحتي لم يكن متمثّلاً في نصوص لشعراء كتبوا أعمالاً روائيّة، ولا على محض نصوص تتداخل فيها الرواية بالشِّعر، بل على نصوص لها خصائص مائزة نوعيًّا، وذلك لأن كتّابها شعراء أولاً، ولأن ما أنجزوه - تحت مصطلح رواية - ما هو إلا نصوص شِعريّة لغةً وبناء، تتشبّه للقارئ في قوالب روائيّة أوّل وهلة، فإذا ما أمعن فيها النظر، تكشّفت له عن أنها لا بروايات حقيقيّة ولا بقصائد خالصة، بل هي في منطقة وسطى بين الجنسين. وقد أنجزتُ قراءات في ثلاثة أعمال من هذا النوع، هي «سقف الكفاية»، لمحمّد حسن علوان، و»الحزام»، لأحمد أبي دهمان، و»الغيمة الرصاصيّة»، لعلي الدميني. جدير بالإشارة هنا : أن البحث في شأن الجنس الأدبي لا يزال في النقد العربي جديدًا؛ لأنه منشغل بقسمة حدّية للأدب إلى : شِعر ونثر، دون النظر في التوالج بين الدائرتين، أو بين عناصر كل دائرة. هذا إضافة إلى ذلك التعليل العام الدارج من «أن التعرّف على الأجناس الأدبيّة وتحديدها أكثر صعوبة من الفنون الأخرى أو من الأجناس الخطابيّة غير الأدبيّة»، كما يقول (جان ماري شيفير) في كتابه بعنوان «ما الجنس الأدبي؟». ويأتي مثل هذا الشكل الكتابي - الذي اقترحت له اسم : (القصيدة - الرواية) - نتاجًا حداثيًّا، تنطمس فيه الفروق بين الأجناس الأدبية، حيث بات الشِّعر يتقمّص النثر، منذ تي. إس. إليوت، أو إي كامنجز، كما يتقمّص النثر الشِّعر، كما هو الحال عند وولف، أو جويس، أو نيكوس كازانتزاكي. وحينما استعملتُ مصطلح (القصيدة - الرواية) فقد كنتُ أنفي - كما ترين - عن هذا النوع شِعريّته وروائيّته، في الوقت نفسه. لأقيم له هويّة في منزلة بين عالم الشِّعر وعالم الرواية. وعليه فإن نزوح الشعراء للسَّرد - كما جاء في السؤال - أمرٌ يبدو طبيعيًّا لأسباب تاريخيّة ومعاصرة، وإن لم يقتضِ حتميّة تخلّي الشِّعر عن نفسه».
.
.
.
-5-
«النقد هو ملَكة التقدير»
_إيمانويل كانت_
.
في مرحلة ما وجدت القصيدة العامية حظوة كبيرة، خاصة لدى الأوساط الشعبية، حتى سميت خطأً أو مفارقة بالقصيدة الشعبية. إلا أن هذا الاحتفاء لم يجد أصداءً نقدية توازيه.. نسأل د.عبدالله إذا كان جفاء سواد النخبة الثقافية لها أصّل مع جفاء النقاد؟ يجيب : «حظوة القصيدة العاميّة - للأسف - هي في مختلف المراحل الحديثة، وهي مستمرّة ومتزايدة في الأوساط الشعبيّة وبعض الأوساط غير الشعبيّة أيضًا! وأقول : «للأسف»؛ لأنها ترسّخ في المستوى الثقافي ارتدادًا إلى قِيَم شفهيّة، وقوالب اجتماعيّة تضيق بنفسها وبغيرها، تعيدنا إلى الخَلْف، بعد تفاؤلاتنا بانتهاء الأميّة العربية، ونشر التعليم، وتوحيد اللغة العربيّة، وجعلها لساننا العالمي، وإعدادها لتكون صالحة لمواكبة متطلّبات العصر والتقنية، وجامعتنا العربيّة والإسلاميّة الأكثر صمودًا في وجه التشظّي وتهديدات الغزاة. كما أن العاميّة تمثّل لغة رديفة للغتنا العربيّة، التي كان يجب أن تكون وجهنا ويدنا ولساننا إلى العالم، وأن لا ندع - تحت أي عاطفة لهجيّة - ما يبلبلها، بأي شكلٍ من الأشكال؛ فذلك سينخر البيت العربي ويقذفه في مهبّ الذوبان العولمي والضياع التاريخي. كما أن ذلك الاحتفاء طيّب الذكر لا يكتفي بشفاهيّة العاميّة كما عاشت اجتماعيًّا، بل يستغلّ الطباعة، والصحافة، والإعلام، والفضاء كلّه، لتحويلها من الشفاهية إلى الكتابيّة ثم إلى الالكترونيّة، وعبر«الإنترنت» والأقنية الفضائية والأرضيّة، في طوفان عاميّ يرسّخ أدبًا ثانيًا غير الأدب العربي، الذي كان قد توحّد منذ قيام دولة كندة في العصر الجاهلي، وقيام أول وحدة عربيّة، وشعور بالشخصيّة العربيّة الواحدة، ممّا تمخّض عن لغة أدبيّة واحدة للعرب، كان لأسواق العرب دورها في توطيدها، ثم كان للقرآن الكريم أهميته القصوى في فرضها وجعلها لغة العالمين العربي والإسلامي، بما أنها قد ارتبطت بالكتاب الكريم وبالدِّين الإسلامي. وهكذا أفضى الاحتفاء بالشِّعر العامي إلى أن يشكّل تراثًاً آخر، يستدعي منا مثل هذا السؤال اليوم، وبشكل طبيعي واعتيادي، فقد بات للعاميّة في وجداننا حقٌّ مكتسب، يتلوه حقٌّ مكتسب في ذمة العِلم والعلماء والمؤسسات العلميّة والثقافيّة! وهو ما لم يكن له محلّ قديمًا من الإعراب، سِوى هامشيًّا، على هامش الأدب الأندلسي، في نطاق زجل ابن قزمان مثلاً، إبّان الصراع بين ملوك الطوائف، أو في المشرق العربيّ في غضون أزجال شاعر كصفي الدين الحلّي، عقب حِقَبٍ من التداعيات والانهيارات، أي بعد أن أصبحت الساحة العربيّة، كما وصفها المتنبي:

مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها
سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ

بل لقد استدعت العاميّات الشعريّة اليوم ما هو أكثر في بعض الجامعات، أي الاحتفاء الأكاديميّ، وفي بعض المدارس الاحتفاء المنهجي، لتربية الأجيال على الدوران في فلك ذلك الماضي، دون حلمٍ بانعتاق. هذا الاحتفاء له خطورته اللغويّة والثقافيّة. فاللغة مُلك أمّة وحضارة، وليست مادة فنّيّة محايدة، لكلٍّ أن يلهو بها ليشكّلها كيفما شاء، والخروج على اللغة هو خروج على ثابت ضروريّ، وعلى هويّة قوميّة، والاحتفاء بذلك الخروج خروج موازٍ، ودعم مشجّع، ومؤصّل لشرخ لغويّ وثقافيّ وسياسيّ. من هنا فنحن مع سؤال الشِّعر باللهجة العامّية خارج لعبة الفنون، أو تقسيم الأوساط بين شعبيّة ونخبويّة، وجفاء واحتفاء. نحن هنا مع سؤال من نحن؟ تبعثه لغةٌ انفصاليّة، وأنماط تعبيريّة وثقافيّة، لها بنياتها المتّصلة المنفصلة، وثمة مكمن المرض فيها والفساد. وتسليمنا بهذا الواقع هو تسليم بأننا لا نرى بأسًا بأن تكون لنا لغتان أو أكثر، وأدبان أو أكثر، وعلينا إذن أن نرضى بأن نكون بأكثر من لسان، ووجه، وشعب، ووسط.. كُلّها ضعيفة، مندحرة بين الأُمم، لا تمثّلنا ولا نمثّلها. المسألة هنا أعمق من حياديّة السؤال عن : قصيدة، أو التعاطف مع نمطٍ تعبيري، أو التعصّب للهجة، أو التساؤل البريء حول ناقد. وعليه، يمكن القول إن هناك أسبابًا مبدئيّة لابتعاد الناقد عن دراسة الأدب العامّي من جهة، وأسبابًا تخصّصية من جهة أخرى. نعم، إذا كانت الدراسة بهدف الإفادة من ذلك الشِّعر في بحث لغويّ يعود بالنفع على العربيّة، أو في دراسة تاريخيّة أو بيئيّة لها مردودها الحضاريّ والاجتماعي والعلميّ، فتلك أمورٌ مهمة ومفيدة، بل واجبة. أمّا إنْ كان تأسيسًا لاستمرارنا على أدبٍ نشأ أصلاً في عصور جهلٍ وفُرقةٍ وانحدار لغويّ وانحطاطٍ ثقافيّ -لا يشرّفنا بقاؤه فضلاً عن خدمته وإطالة أَمَده - ففي ذلك خيانة ثقافيّة ووطنيّة جذريّة، ونكوص عن الدور الباني للأدب والنقد والعِلم. ثم في سبيل ماذا؟ في سبيل أدبٍ لا جديد فيه ولا إضافة تُذكر، حتى على المستوى الفنّي، سوى اجترار ما عرفته القصيدة العربيّة منذ العصر الجاهلي وعبر ألوان مسيرتها الطويلة الطويلة؟! فهل المكاسب تعادل الخسائر؟ إن النقد ليس بغاية لذاته، بل هو وسيلة علميّة للتقويم والارتقاء والنهوض، لا للمجاراة، والتنازلات، والبثّ الدعائي لعملٍ أدبيّ أو اتجاهٍ معيّن. على أن عدم النقد هو في حدّ ذاته موقف نقديّ».

الأربعاء، نوفمبر 28، 2007

تحقيق// المرأة تواجه خذلان آليات التنفيذ وتصلب شعار الخصوصية


بين مناشط ثقافية تقصيها وأخرى تهمّشها
المرأة تواجه خذلان آليات التنفيذ وتصلب شعار «الخصوصية»

منال العويبيل - الرياض

في مختلف أرجاء العالم العربي تُستقبل الإعلانات العامة عن التظاهرات والمناشط الثقافية بتساؤل الفئة المستهدفة عن رغبتها بالحضور من عدمها، أو مناسبة توقيت الفعاليات مع البرنامج الخاص لكل شخص، ووقت عمله مثلاً، أو ارتباطاته العائلية، وقد يوجد أهم من هذه الأسباب أو أوهى، إلا أننا قد نظل البلد الوحيد الذي تتساءل أوساطه الثقافية، والنسائية خصوصاً: هل سيُسمح بحضور النساء أم لا؟!
إن الفئة المعارضة تجد رهانها في شعار عريض يتمثل بـ « خصوصية المجتمع السعودي» ، والفئة المرحبة كثيراً ما يتردد معها نظريات حقوقية، وانتصارات صغيرة أو كبيرة للمرأة، إلا أن المركون على رف الهامش هو نظرة المرأة نفسها للموضوع، والمزايدة على أولويات أخرى، في حلقة مفرغة من التشتيت عن أي مطلب تحت حجة أن «س» من القضايا أولى، وهكذا دواليك.
كثيراً ما اُستخدم مفهوم الخصوصية السعودية كحجة تعارض الكثير، الذي يترجمه اللفظ الدارج: « من بعيد لبعيد» ، بما يدرأ المفاسد حيناً، أو ما بات يدرأ رزمة من الأمور التي تنتظر البت في وضع المرأة بأغلب ما فيها ! ورغم ربط هذا المفهوم بالنماذج المحلية الأصولية، لا يمكننا أن ننكر تغلغل حضورها في كثير من الذهنيات العامة، ممن قد لا يفقهون ألف الأصولية، أو ياء الليبراليين، وعلى هذا الأساس يستلزم الوضع وعياً بقامة رهاننا على الفعل الثقافي في إيصال الفكرة الصحيحة لشراكة المرأة في الحراك الثقافي بدءًا بأمرٍ بسيط يتمثل في حضورها، دون صدامات، أو مزايدة.
.
.
ممنوعةٌ أنتِ
.
« اعتذار حارس مركز الملك فهد الثقافي لا يكفي » هذا ما قالته «لمى» التي حاولت حضور فعاليات الأيام الثقافية الجزائرية المقامة في الرياض قبل فترة، والتي قررت الوزارة إلغاء الآلية المتبعة في الفعاليات التونسية التي سبقتها، وتحديد أيام منفصلة للرجال وأخرى للنساء، تقول: لم أتكلف عناء الاتصال والاستفسار كما أفعل مع كل فعالية يُعلن عنها، قِستُ الأمر على فعالية وفد تونس الثقافي، ومضيت مع بعض الصديقات، ولم نجد سوى بوابة توصد في وجوهنا، وحارس يعتذر طالباً منا العودة في يومٍ آخر حُدد في جدول لم يُنشر بجانب إعلانات الفعاليات، إلا أنهم فيما يبدو يطلبون منا أن تقودنا البديهة لتوقّع عدم سماح دخولنا لا العكس!
لا تتوانى «لمى» عن حضور المناسبات الثقافية المختلفة، تقول: إنها تجد متعة توازي ما تراها الثقافات الأخرى في حضور حفلاتهم الموسيقية الصاخبة، أو صديقات يتفقن سويا على حضور فيلم سينمائي في نهاية الأسبوع. إن فعاليات متميزة كمعارض الكتاب، المعارض التشكيلية، وغيرها تجعلني - كما تقول - أتواصل مع شغفي بعالم الكتب، وعالم الصورة خارج الورق؛ لتكون ثقافتي على أرض الواقع.
.
«سينما وفهمناها، متى المسرح؟» هذا رأي «أمل» التي تقول: أحاول تفهّم الضجة المصاحبة لتفعيل حضور السينما في السعودية، لكن حضور المسرح المحلي منذ عدة سنوات أنتج مواهب كبيرة كمحمد العلي، وبكر الشدي -رحمهما الله- ، وراشد الشمراني، والقصبي والسدحان، والقائمة تطول، والتي ظلت حكراً على مسارح الجامعة وجمعية الثقافة والفنون، التي من المفترض إضافة وصف الذكورية عليها، فعدا إدراج أسماء شكلية لتشكيليات لا أظن لهذه الجمعية أي فعالية أو دعم أو تفعيل لحضور النساء. حتى تُعلق ساخرة: «ولا تهون رئاسة الرعاية العامة للشباب».
«أمل» تتساءل عن احتكار عروض العيد المسرحية على الرجال، دون محاولة السماح للعائلات، أو تخصيص أماكن مخصصة لحضور النساء، رغم تخصيص عرض نسائي وللأطفال، الذي تراه لا يكفي، ويوافقها الكثيرات، إذا ما علمنا أن أمانة مدينة الرياض استأنفت العروض المسرحية بعد العيد في نهايات الأسبوع، وعبر عروض مخصصة للرجال فقط.
.
وعطفاً على ذكر السينما تتحدث «نوف» عن العروض السينمائية التي أقيمت قبل فترة في جمعية الثقافة والفنون بالرياض، تقول: حاولت الاستفسار من أحد المنظمين عن سبب منع الحضور النسائي في وقتٍ تسنى للسيدات في جدة حضور مهرجان خاص بالعروض، وتسنى لسيدات الشرقية حضور عروض الأفلام عبر ناديها الأدبي. وللأسف - كما تضيف نوف - تمنيت تملصه من الجواب بدلاً من إخباري بأن السبب «عدم توفّر مكان يسمح بحضور النساء» في مدينة كالرياض تضم مرافق بحجم مركز الملك فهد الثقافي، وقاعات الجامعات والكليات المختلفة، عدا القاعات الخاصة في الفنادق التي تسمح بتخصيص مكان للجنسين!
ما قد تجهله "نوف" أنه في الوقت الذي اُستغني فيه عن حضور المرأة لعروض جمعية الرياض.. عُرض في الوقت نفسه فيلم كتبت السيناريو له أو أخرجته أو مثّلت فيه امرأة؟! مع التأكيد أن الأمر لا يقتصر على حضور طاقم العمل فقط، بل ضرورة شراكة جمهور النساء في التذوق، والنقد.
.
.
الباب موصد
.
‘‘ويتكون برنامج فعاليات اليوم بالمتحف الوطني بمركز الملك عبد العزيز التاريخي من معارض للفنون والمعرض الفوتوغرافي وعروض فرق الفنون للرجال ، بينما يقام مساء غد عرض فني للرجال في قاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات ، وعرض فني آخر للنساء في جامعة الأمير سلطان بن عبد العزيز‘‘.
(انطلاق فعاليات الأيـام الثقافية الأذربيجـانية _ جريدة اليوم)
10 نوفمبر 2007
.
.
«فاحشة لا ينبغي السكوت عليها» هكذا وصف البعض ظهور المرأة السعودية بشكل كبير في الدورة الثانية لمهرجان جدة للعروض المرئية الذي عقد في الفترة من 17-20 يوليو الجاري. وعلى الرغم من رأي هذا البعض إلا أن آخرين أكدوا على ضرورة مواصلة الاهتمام بها خصوصًا بعد أن أبدعت المرأة برغم مجتمعها «المغلق».
(علي الفقيه _ موقع عشرينات)
21 يوليو 2007
.
.
« أكد بندر الغامدي المسؤول عن الأنشطة الرياضية بالمدينة على وجود تصريح من وزارة الداخلية يمنع دخول أي امرأة أو حتى طفلة لمدينة الملك فهد الساحلية كون المدينة تقع أنشطتها ضمن ذلك... .
.. يأتي منع النساء من الحضور كمتلق للمشهد الثقافي في المؤسسات والمراكز الثقافية مثل جمعية الثقافة والفنون وغيرها من المؤسسات المعنية كحجر عثرة أمام الخطاب الوزاري لوزير الثقافة إياد مدني بأن تكون المرأة جزءا من المشهد الثقافي لا أن تكون فقط كمتلق».
حول استضافة مدينة الملك فهد الساحلية عرض مسرحية «رصاصة الرحمة»
(أميمة الفردان_جريدة الشرق الأوسط)
27 يوليو 2006
.
.
«وللأسف فإن حضور نشاطات الجماعة في النادي مازال مقتصراً على الرجال لعدم توافر قاعة نسائية، فمن ترغب في تقديم قراءة للنصوص المذكورة لقراءتها في جلسة الجماعة بالنادي عليها إرسالها على البريد الخاص لكائن سردي»
(إعلان عن نشاط لجماعة السرد بنادي الرياض_ شعبيات)
11 إبريل 2006
.
.
افتح يا سمسم
.
لا ينسى التاريخ ما فعلته يوماً الأمريكية السوداء «روزا باركس» أثناء فترة العنصرية في الولايات المتحدة عام 1955م؛ حين قررت الجلوس في المكان المخصص للبيض في إحدى حافلات النقل، فقد تطلَّبها الأمر مجرد التلفظ بـ لا رفضاً لتخليها عن مقعدها لرجل أبيض ليكون الأمر شرارةً لبدء حركة المطالبة بالحقوق المدنية. نحن في وطن لا ينكر حقوق النساء، لكن آليات التنفيذ باتت تخذلهن غير مرة. إن فتح المجال لحضور السيدات لحضور كافة الفعاليات الثقافية يستسفها البعض إزاء قضايا أخرى، لكن الحقوق لا تتجزأ، فهل حق خيار الحضور من عدمه كثير؟!.

الثلاثاء، نوفمبر 13، 2007

حوار// الفنان التشكيلي فهد القثامي: ما زلت محل انتقاد الكثيرين ومصدر إزعاج لا ينتهي

الفنان التشكيلي فهد القثامي:


مازلت محل انتقاد الكثيرين ومصدر إزعاج لا ينتهي
المتلقي العادي اعتاد رؤية العمل التشكيلي بألوان مبهرجة وبراويز ذهبية
.
.
حوار - منال العويبيل
.
في مجتمع عزَّ على قديمه الإلمام بالأبجدية الفنية التشكيلية، وحاضر حيَّدَها تحت بند خيار النخبة، وجد الفنان التشكيلي فهد القثامي أن فنّه يستحق عناء المضي فيه.. منذ شغب الألوان والكراسات، حتى زهو تألقه في الاتجاه المفاهيمي، الذي يجهله عدد يفوق الأصابع ممن قد يُعدّون _ ضمناً _ من التشكيليين. هو اسم يتصاعد تميزه وفرادة خطواته التشكيلية قبل أن يكمل الخامسة والعشرين من العمر. و(حكاية مسامير) كانت آخر إنجازاته الفنية، فلمن أراد سماع الحكاية، وراويها كان هذا الحوار:
.
.
.


-1-
« الفن هو ما يشرح القلب، وترتاح له العين»
_ الفنان الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954م) _
.
قالت: واااو! ببساطة هذه الدهشة، وتلقائية وقعها..
كانت هذه أولى انطباعات إحدى الزميلات حينما شاهدت ( حكاية مسامير ) فهد القثامي على موقع اليوتوب. إن فكرة الكتابة عن العمل بما يوجز عن رؤيته، أو بحيادٍ عابر، غير واردة في هذا المقام، لأنَّ ثمّة أعمال لا تتطلب إلمامًا تشكيليًا، أو حداً من الاستعداد المزاجي، ستتكفل بأخذ يد المشاهد من دهشتها، والمضي بها في سبعة دقائق وثلاثة وأربعين ثانية تامة.
تلك التجربة التشكيلية التي جمع فيها الفنان بين وسائط عرض مختلفة من صور فوتوغرافية وأعمال تشكيلية لتُعرض كمادة سينمائية، وقدمها في أول معرض تشكيلي فوتوغرافي سينمائي له، في صالة الفنون التشكيلية بقصر شبرا بالطائف.
.
.
وحين نستحكي فهد القثامي عن (حكاية مسامير) يقول: «بدأت شرارة الفكرة لحكاية مسامير عندما لاحظت في أحد أعمالي جزءًا صغيراً يقف فيه مسمار، وبشكل لفت الانتباه، أحسست لحظتها بان هذا المسمار الأداة المهمشة.. تحمل الكثير والكثير من المعاني والدلالات.. كأن للمسمار كيان وروح مستقلة وحياة أخرى تشبه حياتنا».
.
.
إن هذه الأنسنة التي استشعرها القثامي سيقف إزاءها متابع العمل، بما يفوق ملامسة الحياة النابضة في تلك المسامير، إلى تلمّس القيمة الروحية لها، ولوهلة قد تخطر له فكرة تسميتها كشخوص حية يُقرن حالاتها بما سمع من البشر أو عايش! يتم القثامي كلامه عن كواليس العمل، فيقول: «استمر إعدادها سبعة أشهر من البحث المتواصل والتجريب في الخامات المختلفة، من حديد وأسلاك ومسامير قديمة وأخشاب بمستويات متعددة، بالإضافة إلى كولاج الصورة الذي كان واضحاً، وبتقنيات مختلفة، تعتمد على الحالة التعبيرية للملامح الموجودة.. أيضًا هناك عنصر آخر وهو كولاج الكلمة الذي وضعته بأسلوب مبعثر أحيانًا، ويختزل الكثير من المعاني والحالات الإنسانية المختلفة.. ولكن تعمّدتُ أن تختفي بعض الكلمات، وبعض الأحرف؛ لأضفي طابعًا من الغموض والدهشة، ولأخلق جواً من الاستفزاز المستمر للمتلقي.. وحرصي الشديد لأخلق منها أسلوبًا فريدًا لم يتطرق له أي من الفنانين الذين سبقوني ساهم في زيادة الحمل علي، حتى إنني صرت أحمّل نفسي أكثر من طاقتها».
.
.
تذكر بعض التفاسير أن رؤية المسمار في المنام قد تدل على أنه رمز للقوة والمال، وقد يدل على الرجل الذي يتوصل الناس به إلى أمورهم، وباختلاف الدلالة والتأويل، كان الأمر مختلف الغاية عند فهد، يكمل حديثه، فيقول: «حكاية مسامير أصبحت هاجسًا يطاردني حتى في فترات نومي.. أصحو لأسجّل ملاحظاتي.. وأستأنف العمل عليها في اليوم التالي رغم كل هذا.. أحسست أن الحكاية لم تنتهِ.. ولم أوفيها حقها الذي تستحق.. استمر المشروع بالتطوير المستمر والخلق للحالات الإنسانية والتعبيرات الجسدية لدرجة أن العمل التشكيلي لم يحتمل التفاصيل الموجودة.. فقمت بالاستعانة بكاميرا فوتوغرافية، لأخذ زوايا مهمة في العمل التشكيلي، تحكي معاناة المسمار ابتداءً من المراحل الأولى، وحتى مراحله الأخيرة. ومن ثم عكفت على إخراج فيلم سينمائي يحكي مراحل المسمار من بداية القصة حتى نهايتها، وبأسلوب يحمل من العاطفة جزءًا كبيرًا من شخصيتي.. قمت باختيار الموسيقى المصاحبة للحالة، وبحمد الله .. كانت تجربة موفقة وناجحة، لم يتدخل فيها أحد بشهادة الجميع.. ابتداءً من الأعمال، وحتى إخراج الفيلم، إلى تصميم المطبوعة، كل هذا الجهد هو جهد شخص واحد هو فهد القثامي».
.
.
على صعيد الفنون البصرية نجد أنَّ السينما الشعرية تستند على جعل الصُور والمشاهد والسياق العام "شعراً" قائماً بحدّ ذاته. وإذا أمكن وصف تجربة القثامي بأنها ضربٌ من «سنمأة التشكيل» نجد أنَّ الحس المرهف في (حكاية مسامير) مزج صوراً شعرية بلغة بصرية مركّبة، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار هذه الرهافة التي تنبض في خامات كالحديد، والخشب، والأسلاك.. بكل ما تعكسه من صلابة وجمود حضور. مما أوجد تضاداً متناغمًا فرض لمحاته الشعرية، والشاعرية كذلك. يستكمل القثامي الحكاية، فيقول: «جميع الحالات الفنية والإنسانية التي وُجدت في حكاية مسامير لم تأتِ من محض المصادفة، ولكنها خضعت بجميع حالاتها للتجريب والتقنين، لكي تصل إلى المخرج الذي عرض في حكاية مسامير. أما شاعرية العمل، فقد برزت من خلال الصدق في المشاعر، وعدم التكلف في جميع التفاصيل».
.
.
.
.




-2-
" إنَّ العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب "
_الفيلسوف الأمريكي رالف أمرسون (1803-1882م)_
.
ليس ثمة طفل لا يعرف الرسم، ولكن ظروف محيطه هي التي تدفعه نحو تطوير علاقته بالرسم أو انحسارها، ولأن واقعنا يحترف الأخيرة عبر سلسلة من التهميش في مراحل التعليم المختلفة، والأنشطة اللا صفيّة، نجد أنه جدير بالذكر حصول فهد القثامي على المركز الأول في مسابقة الطلاب الموهوبين التي نظّمها مركز الموهوبين بالطائف عام 1421هـ، وعلى صعيد ذلك نسأله عن تجربته الفنية خلال مراحل التعليم الإلزامي، فيجيب: « لم تكن هناك تجربة فنية أثناء مرحلة التعليم الإلزامي، ولكن كان هناك اهتمام كبير من قبل أستاذي بمركز الموهوبين فيصل الخديدي الذي نفَّذ مشروع متكامل لرعاية الموهبة الفنية، وقام بعمل مجموعة من الدورات في مجالات متنوعة ابتداءً بالأسس الأكاديمية، وحتى الوصول إلى مراحل التجريب المتقدمة».
.
.
وحول نمو موهبته على مستوى العائلة من حيث التشجيع أو الانتقاد، منذ بدايات الهواية، حتى الاتجاه الاحترافي، يقول القثامي: «بصراحة، لم أجد الدعم والتشجيع الكافي من المجتمع، بدءاً من مراحل الدراسة إلى مراحل الاحتراف، وأنا مازلت محل انتقاد للكثيرين، ومصدر إزعاج لا ينتهي».







-3-

قبعة الأكاديمي وبندانة الفنان
.
حين يرد مصطلح دراسة الفنّ يأتي مربط فرس الفنانين الأكاديميين، إذ يرون أن دراسة الفن تمنح استعدادية أكبر ليقدم الموهوب عطاءً فنياً أفضل، مع التسليم بأن الموهبة هي التي تجر الإنسان إلى دراسة الفن وليس العكس. خيار فهد القثامي الفني لم يمر بجسر دراسة الفن، حيث اختار الالتحاق بعددٍ من الدورات التشكيلية التابعة لمركز الموهوبين في مدينة الطائف، وحصيلة مميزة من التجريب والتثقيف الذاتي. فإن كان المتلقي مكتفياً بتميز الموهبة نجد غالباً ما يتساءل الناقد عن الخلفية الأكاديمية لدى الفنان، من باب التوازي المتناغم بين الموهبة والدراسة.. فما هي نظرة فهد تجاه هذه الإشكالية، وهل تواجهه مثل هذه التساؤلات، يقول: «بصراحة، نادراً ما تواجهني مثل هذه الأسئلة؛ لقلة التجارب النقدية في الساحة التشكيلية السعودية، ولعدم وجود ناقد متخصص في مجال الفن التشكيلي».
.
.
لكنه يعود ويؤكد: «إنّ الموهبة هي الركيزة الأساسية في حياة الفنان، إذا صُقلت نجح، وإذا أُهملت أصبح هناك عجز واضح في الأعمال والأسلوب، وهو أحد الأمرين: إما أن يكون عجز تقني في استخدام الفنان للخامات وطرق تقديم العمل التشكيلي، أو يكون عجز فكري في الطرح ومواكبة المدارس الحديثة. فبالأساس الأكاديمي المتقَن، وبالبحث المستمر، تُصقل الموهبة، ويصبح الفنان متمكنا من أدواته، ولديه القدرة على أن يخوض التجارب بدراية ووعي دون تخوف أو تردد».


-4-
" الأعمال الفنية توجد من أجل أن تُحَب أكثر من أن تُبحث "
_الناقد المصري د.محسن عطية_
.
يُذكر أنّ الفنّان الفرنسي رينوار (1841-1919م) رسم لوحة تبيّن السيّد المسيح يحمل شمعة ويطرق باب منزل مظلم, مما جعل أحد النقّاد ينتقد اللوحة لأنه نسي أن يرسم مقبضًا للباب، فردَّ رينوار: إنَّ المنزل هو القلب البشري، وقلب الإنسان لا يُفتح إلا من الداخل. نجد أن مستوى الذائقة التشكيلية محلياً قد يصل للعدم عند بعض المثقفين! ناهيك عن المتلقي البسيط، وقياساً لطفرة تذوق الفنون الموسيقية عبر أوساط الانترنت، يتضاءل الاهتمام بالفن التشكيلي. وإذ يأتي الربط من باب تخطِّي كِلا الفنّين لعائق اختلاف اللغة.. ما الذي يُبقي التشكيل في الصف الخلفي للفنون؟ وكيف يتم تفعيل حضوره؟ ببساطة، ما الذي قد يفتح الباب؟ يرد القثامي: « يعتبر الفن التشكيلي من أرقى أنواع الفنون، قد يكون في الصف الخلفي عند المتلقي العادي، ولكنه في الحقيقة في الصفوف الأولى عند المتذوق الواعي. فالفن لغة تخاطب بين الشعوب، وهو أحد أهم عوامل التطور.. فإذا وُجد وهيئ له المناخ المناسب والصحي انعكس هذا التأثير على الأشياء المحيطة. وهذا ما نلاحظه في الدول المتقدمة من تطور وازدهار يتم تفعيله عن طريق المناشط الخارجية والداخلية، ومن خلال الاعتراف به كثقافة».
.
.
كما نجد لفهد القثامي بداياته الواقعية، التي تحوّلت إلى الخيال السريالي، وصولاً لاتجاهه للمفاهيمية، الذي يعتمد على تحويل الفن البصري إلى فن ثقافي فلسفي وجودي علمي. وجد رواجه في أمريكا وأوروبا منذ نهاية الخمسينات الميلادية، وبعدها انتشر في العديد من عواصم العالم. وإذا كان للمتلقين _ على اختلافهم _ حد أدنى من الأبجدية الفنية حول الاتجاهين الأولَين، نجد أن العديدين يجهلون الأخير، فهل تراه يشكّل عائقاً حقيقياً تجاه تذوق أعمال فهد القثامي المفاهيمية، ليقول: «نعم.. في الحقيقة جهل الكثير من المتلقين بالفنون الحديثة والمدارس المتقدمة يشكل عائقًا كبيرًا تجاه التذوّق الفنّي واقتناء الأعمال، وذلك يعود لأسباب تكمن في أن المتلقي العادي اعتاد على أن يرى العمل التشكيلي يحمل ألوانا مبهرجة وبراويز ذهبية تدل على قيمة العمل، بغضِّ النظر عن القيمة الحقيقية والجمالية التي تكمن في الفكرة وفي الهدف والغاية».
.
.
ويضيف بمنأى عن معاناته الشخصية: « جميعنا يعاني.. ولكن سعينا الدءوب في جماعة تعاكظ ساهم في خلق جمهور واعِ يحترم المدارس الفنية الحديثة، ويقدِّر الفكرة قبل بحثه عن الناحية الجمالية، من خلال النشاطات المتوالية في السنتين الأخيرتين من دورات، وإقامة معارض، حتى أصبح للطائف صدى إعلامي كبير في الوسط التشكيلي».






-5-

«يمكنك أن تحلم و تبتكر و تبدع أعظم الأفكار في العالم، لكنك بحاجة إلى فريق لتحويل الأفكار إلى نتائج. إذ يمكننا الوصول إلى القمر إذا ما وقفنا بعضنا على أكتاف بعض»
_والت ديزني_
.
ظهور العديد من الجماعات الفنية المحلية يزداد رواجه حول المملكة، حيث لا تخلو أي من المناطق من جماعة أو أكثر تتولى إبراز الإبداعات، وإقامة المعارض الجماعية والخاصة بأفرادها، إضافة لعدد من النشاطات الداعمة للحركة التشكيلية من دورات، ندوات، وورش عمل مختلفة.. من منظار فهد القثامي العضو المؤسس في جماعة تعاكظ.. لأي مدى تستطيع هذه الجماعات إبراز التجارب الفردية عبر الحضور في معارض جماعية؟ وما نوع الدعم الذي تقدمه؟ ليجيب: «من خلال تجربتنا في تعاكظ التشكيلية اهتممنا بالتجارب الفردية والجماعية، وذلك بدراسة واعية لما نقدم للمتلقي باحترافية متقدمة، وذلك بتخصيص جزء معين لعرض تجربة الفنان، أو جزء منها، ولدينا تجارب عديدة وناجحة برزت في معارض جماعية.. أما بالنسبة لنوع الدعم فهو يختلف ويتباين من جماعة إلى أخرى، ومن منشط إلى آخر».
.
.
وحول ما إذا كان انتسابه لجماعة ( تعاكظ ) مرحلة تأسيسية يأمل بعدها للانفصال وتقديم تجربته الشخصيّة منفردا، يجيب بقطعية: «تعاكظ هي الأصل، ولم تكن يوماً مصدر تعطيل لي لكي أنفصل عنها, وكيف أنفصل عن جزء مني يمثلني وأمثله؟!. إن تجربتي الشخصية برزت من خلال تعاكظ، ولقد اختصرت الجماعة علي وعلى أعضائها الكثير والكثير من المسافات والجهود التي تقف عائقاً أمام الفنان, وبالفعل لقد أوجدتْ مناخاً تشكيلياً واعياً في منطقة غاب عنها الحراك التشكيلي لسنوات طويلة».
.
.
من ناحية، شكّل التصفُّح الالكتروني ثورة مهولة تمردت على حدود المكان، وجدران الزمن. وعلى صعيد الفنّ بات يمكن للمتصفّح زيارة متحف اللوفر، أو المتروبوليتان على سبيل المثال دون تكلّف زيارة باريس، أو رحلة لنيويورك. لقد بات عدم تمكن زيارة المعارض الحية، أو البيناليات العالمية عذرا غير وجيه لعدم الاطلاع وتنمية الذائقة. ورغم اجتهادات ( تعاكظ ) وظهورها الإعلامي لا يتواجد للجماعة موقع على الشبكة الالكترونية.. سألنا فهد ألا ترى في ذلك تقصيرا في هذا الجانب؟ خاصة للاطلاع على فعالياتها ومعارضها لمن يتعذّر عليه الحضور؟ يردّ: «تعاكظ رغم كل ما تقدمه من منجزات تشكيلية بمجهودات ذاتية من قبل بعض أعضائها، ونجاحات يفتخر بها الكثيرون، لا يوجد لها مقر على أرض الواقع!! فهي تتلمس الدعم والرعاية وإيجاد مقر لها. ومن جانب آخر، نجد أن الفنان في الدول المستنفرة تشكيليًا يكون ضمن إطار مؤسسات متخصصة تقوم بالرعاية والدعم، بالإضافة إلى التنسيق والتسويق والتنظيم. وفي المقابل يتفرّغ الفنان لفنِّه فقط، أما نحن فنشاطر عملنا الفني مع مجهودات أخرى موازية له، علَّنا نخدم هذا الفن. وما نقوم به في تعاكظ هو محاكاة لبعض ما تقدمه هذه المؤسسات، بل تجاوزت طموحاتنا فكرة إنشاء موقع الكتروني».





-6-
«التناقض هو المَعْلَم الجوهري في الفن المعاصر»
_الناقد الألماني بيتر هوفمايستر_
.
بعض الآراء المتطرفة في الفن تعزز قيمة التناقضات في الأعمال الفنية، بمعنى أنه حين يثير العمل في الإنسان العادي ردة فعل غير متوقعة، كالاستنكار أو الانزعاج حتى، يمكن اعتبار ذلك حسنةً تضاف للعمل، وتؤكد جودته.ولطالما واجه منهج التجريب في كافة الفنون المحلية الكثير من الهجوم أو الاستنكار من عدة جهات.. بينما يتنقّل الفن التشكيلي بقفزات كبيرة تحت مظلة هذا المنهج دون أي تسليط إعلامي واضح أو تتبع نقدي.. فما أسباب ذلك برأي فهد القثامي؟ يجيب: «ضعف الاهتمام بالفنِّ التشكيلي من قِبَل الصحافة، وقلة الصحف والمجلات التي تهتم بالفنون التشكيلية هي الأسباب الرئيسية وراء ذلك، لدرجة أن الفنان إذا أراد أن يقدم تجربة تشكيلية يترتب عليه أمور كثيرة تُثقل كاهله، ولا يستطيع تحمّلها، بدءًا من دفع قيمة الصالة، وتصميم المطبوعات وطباعتها، وإرسال الدعوات، إلى كتابة المادة الصحفية للصحفي وإرسالها!! وقد تلقى نصيبها بالنشر الذي قد يكون مطلسمًا ومبتوراً وممارسًا عليه بعض الطقوس الغريـبة، وفي النهاية قد تهمّش وتُهمل، وهذا من تجربة واقعية نعيشها في الطائف».
.
.
وحول ما إذا كان التجاهل الإعلامي يساعد الفن التشكيلي على قفزاته التجريبية، من باب نجاح ما يُحاك بهدوء؟ أم يعزز الفجوة التذوقية في المجتمع؟ يجيب فهد: «أكثر ما يحبط الفنان هو التجاهل الإعلامي، سواء نجح المُحاك أو فشل.. إن نجح فلابد للإعلام أن يبارك هذا النجاح ويعطيه حقه، حتى وإن فشل فلابد أن يُذكر إعلاميًا، وتُذكر الأسباب التي أدَّت إلى فشله، وذلك عبر الانتقادات الموجهة، وآراء الجمهور والنقاد. إن الإعلام يعتبر وسيلة مهمة لنجاح الفنان وفشله، وهناك الكثير من التجارب الناجحة التي ظُلمت ولم يكن للإعلام أي دور فيها، رغم جهود المخلصين لهذا الفن. وأيضًا بالمقابل هناك العديد من التجارب الفاشلة، والتي كان للإعلام دور رئيس في نجاحها!».
.
.
.
- اتجاه -
..
صفحة (حكاية مسامير) على موقع اليوتوب



الأحد، أكتوبر 28، 2007

تغطية// نسائية أدبي الرياض تدشِّن موسمها الجديد

شح الحضور وغياب الدائرة التلفزيونية أبرز الانتقادات:
نسائية أدبي الرياض تدشِّن موسمها الجديد


- من إصدارات النادي -

منال العويبيل - الرياض

في وسطٍ بات مأخوذاً بالعالم الافتراضي على شبكة الانترنت بالتقادم، يحاول المشهد النسائي الثقافي في مدينة الرياض بث الحراك في المبدعات والمهتمات بهذا المجال للتفاعل المباشر ممثلاً باللجنة النسائية لأدبي الرياض التي دشّنت موسمها الثقافي الجديد بحفل معايدة استضاف عدداً من مبدعات ومثقفات العاصمة، استهلته د. سعاد المانع (رئيسة اللجنة) بفتح مجال الحديث عن ذاكرة العيد الشخصية للحاضرات، والذي جاء ذا شجون استحضرت غياب ثقافة الفرح في المجتمع، ومظاهره العامة الخجولة في منطقة نجد. قدَّمت إثره عدد من الشابات فقرة شعرية لنصوص مختارة حول المناسبة.
.
وكانت مفاجأة اللقاء الإعلان عن تعاون قادم بين اللجنة النسائية وجماعة (فعل) الثقافية التي أسستها القاصتان أحلام الزعيم ويمنى سالم، والشاعرة كوثر موسى، وعدد من الأسماء الشابة، لتشكيل امتداد أفقي شبابي يكسر إطار النُخب باتجاه الجمهور العادي. وقد أكّدت أحلام الزعيم أن قلة حضور العنصر الشبابي تحديداً يحمل دلالة سلبية لم يستطع النادي رتق قصورها، وهو ما تطمح الجماعة لتحقيقه عبر تبني ملتقى يضم كافة الأنماط والأطياف الثقافية، ويهدف لتنمية ذائقة منوعة تشجّع متذوق الشعر لحضور الفعاليات السردية، وترغيب التشكيلي في حضور أمسيات الشعر والقَصّ. مؤكدة أنهن لا يهدفن لتكريس التنظير بقدر ما يطمحن لإيصال أجندتهن إلى أرض الواقع. الأمر الذي أكدته كوثر موسى، مما دفعهن لتخصيص وقت كافِ للتحضير والاقتراحات التي تنتظر إنفاذها بالتشاور مع اللجنة النسائية، متجاوزات فكرة المنافسة أو إقصاء اللجنة الأساسية إلى الرغبة في إضافة حس من الجودة وديناميكية الأداء على أنشطتها (على حد تعبيرها).
.
أما يمنى سالم فأكّدت أن من أهم أهدافهن خلق حلقة وصل بين الشابات والنادي، كفئة غاب العديد من مواهبها وفعاليتها، ومحاولة تقديم أصواتها، وإثبات حضورها جنباً إلى جنب الجيل السابق.وقد أبدت د. فوزية أبو خالد (عضوة اللجنة) تحفّظها على استحداث حضور الجماعة من قبيل «لجنة داخل لجنة»، داعية إلى الانخراط في اللجان التي تضمها نسائية النادي، والتي تتفرع إلى: الشعر، والسرد، والترجمة، والنقد، وغيرها.
.
الأمر الذي فنّدته أحلام الزعيم بأنّ هدف التوسع يحاول تجنّب الأُطر والمسميات، كون الغاية الأساسية خلق مناخ جديد يسمح بالتنوع والمغايرة، وبالتالي منح المتلقيات خيار التذوق من كافة الأطياف.
.
بعد ذلك انتقلت دفة الحديث لعصفٍ ذهني؛ لطرح ملاحظات الحاضرات حول الموسم الماضي، وجعل النشاطات السابقة في موضع النقد، والذي تركّز التساؤل فيه عن قلّة الحضور، بل على وجه الخصوص تفاوت نسبها. هيفاء الفريح (إحدى المواظبات على حضور فعاليات النادي) اقترحت فتح أبواب النادي بصفة دائمة للمثقفات دون حكر ذلك في المناشط المقامة. الأمر الذي أكّدته فاطمة الحسين (عضوة اللجنة) من فتح المجال لزائرات النادي كمرفق ثقافي يجتمعن فيه للتواصل، والاستفادة من مكتبته.
.
فاتن حلواني اقترحت الاستفادة من تجربة المراكز الإعلامية في الجامعات كمثال لدعم التسليط الإعلامي على أنشطة النادي. أما د. نورة الشملان فأكدت ضرورة توفير الشبكة التلفزيونية مع اللجنة الرجالية لانتفاع أكبر عدد ممكن من الجنسين من فعاليات النادي، أو نقل فعاليات النادي لمَرْفق تتوفر فيه الإمكانيات المتعذرة في المقر.
.
كما اقترحت منى الشدي تكثيف الجهود لإزاحة الغمامة عن نشاطات اللجنة، وتصحيح الصورة الملتبسة في المجتمعات المغلقة التي ربطت مصطلح الثقافي بالتحرر، والليبرالية، وصولاً للعلمانية، بمجانية جاهزة شكّلت حائلاً وهمياً عند البعض يمنعهن من حضور الفعاليات، أو أضعف الإيمان ممانعة الأُسر السماح لفتياتهن بالحضور! إلى جانب ضرورة تجاوز الطابع النخبوي، أو على وجه التحديد (الأحادي) الذي يعكسه مسمى النادي.
.
وهو ما أوضحت د. أميرة الزهراني (عضوة اللجنة) من أن الأمر قيد دراسة الوزارة لتغيير مسميات جميع أندية المملكة لما يعكس شمولية حراكها وفعالياتها الثقافية.
.
وبانتظار ما تثمره جهود اللجنة وجماعة فعل، يظل التعويل على كسب ثقة مثقفات العاصمة ودفعهن للحضور، من منطلق أن التعطش للمنابر الثقافية الذي علّقت حوله د. هتون الفاسي في ظل شح الفعاليات المتاحة للنساء سابقاً، وأن النادي هو المظلة الأنسب لهن.. أغفلتْ فيه أن الجيل الجديد، ومن سبقه كذلك، وجد مورداً مرويًا في فضاء الانترنت في السنوات الأخيرة، تاركاً أغلب ما استُحدث من فعاليات ثقافية عرضة للجفاء الجماهيري والإعلامي.

الأربعاء، أغسطس 29، 2007

حوار// الشاعر زياد آل الشيخ: نقل الواقع مهمة وكالات الأنباء وليست مطلوبة في الشعر

الشاعر زياد آل الشيخ:
ممارسة سلطة الاختيار على القارئ مهمة فاشلة
نقل الواقع مهمة وكالات الأنباء وليست مطلوبة في الشعر!


حوار - منال العويبيل

يختلف مفهوما الشاعرية والشعرية عن الشِعر وإن لازما قائله، وفي هذا الحوار سيجد القارئ نفسه إزاء شاعرٍ يمسك بتلابيب هذين المفهومين من أعلى المطلع لأخمص القصيدة، حين يمضي في ترانيمه الأندلسية حتى يُظن أنه شاهد عيان تلا خروج أبي عبد الله الصغير من غرناطة، وحين يشاغب المُعاش حدّ تبسّم النادل الباريسي لحنينه لرفاق الرياض، وأضعف تصبره قهوة عربية..

هكذا بقدرةٍ شعرية كفيلة باستحضار المتناقض، والعمل على مزجه وتزجيته نصَّا. وبينما ينتظر صدور ديوانه الثاني (سنابل حب) عن دار الخيّال اللبنانية، الذي يلي ديوان (هكذا أرسم وحدي) 2004م، كان لنا معه هذه الحوار.

- 1 -

(الشاعر «وحده» قادر على اجتياز العتبة التي تفصل الحياة الواقعية، عن حياة أخرى ما ورائية)

-نيرفال-

غربة قصيدة اليوم أم اغتراب شاعرها أحد مآزق الشعر الحالي؟ لم يعد الفرق واضحاً، بما أنه حتى الفواصل التي أسسها منظّرو الفنون باتت تقصر قاماتها حتى صارت البحور ممتزجة دون برزخ. ورغم أن الأصوات المعاصرة خاضت في محيط الرتم اليومي، والتفاصيل المعاشة، إلا أن غالب النصوص أعطت ظهرها للواقع صوب مآرب أخرى.. فهل ابتعد الشعر اليوم عن الواقع.. بمعنى اقترابه لصورة خيالية مجمَّلة أو مشوهة أحيانا؟ بحيث يخلق الشاعر لقارئه عالماً أجمل، أو أحزن من حقيقته.. أين يضع الشعر قدميه اليوم؟

يجيب زياد آل الشيخ: في المجمل نعم، لكن هذا الابتعاد أخذ منحى مبالغا فيه حتى انفصل عن الواقع، ومسألة تجميل الواقع أو تشويهه ليس أمراً جديداً، وهو من الآثار الجانبية للعملية الشعرية، يبتعد بالمجاز والاستعارة للشروط الجمالية التي يستعين بها الشعر، يخرج بها عن المعنى الحقيقي لآفاق جمالية للإمتاع، ولتعميق الشعور بالمعاني، ومن ذلك تنتج الصورة التي في سؤالك، هذه الصورة الخيالية التي تشوه أو تجمل. لكن نقل الواقع ليس من مهمة الشعر على أية حال، يقوم بها عنه واس أو رويترز أو كاميرا العربية، لكن لا يحق للشاعر تزييف الواقع بداعي المبالغة أو التعدي على المقدسات بحجة المجاز، هذه مسائل أخلاقية لا يعفى منها الشعر بالتأكيد، و د.الغذامي تعرض لهذه المسألة في كتابه «النقد الثقافي»، والعلاقة بين الجمالي والأخلاقي في الشعر كونهما أمرين منفصلين مسألة تعرض لها النقد القديم عند الجرجاني والقرطاجني وغيرهما.

أما الشعر اليوم فيمر بمرحلة حرجة على صعيد سؤال الواقع، بين الواجب الجمالي والواجب الإنساني، الالتزام بقضية الواقع أم الالتزام بقضية الجمال، هل يمكن التوفيق بينهما؟ وفي ظروفٍ أخرى هل يهم أن نوفق بينهما أصلاً؟ هل تخترق رصاصة هشاشة طفل ونظل نهيم في مجاز المجاز كالسكارى؟ يحدث هذا الآن، هناك شعر يجب أن يقال، كفرض كفاية على أقل تقدير، أنا لا أعني الشعر السياسي المباشر بالضرورة، لكن الشعر الذي يعبّر عن قضية خارجة عن الإطار الذاتي الضيق، نحن نعيش في أكثر مناطق العالم توتراً، في هذا الإطار كيف يختلف شعرنا عن شعر العالم؟ أعتقد أن هذا السؤال ملحّ تاريخياً ».

وعلى هذه الوتيرة من المضي لأصالة المعنى، بإمعانٍ يلبس في أثره أناقة اللفظ والإيقاع في قصيدة آل الشيخ، يوافق ذلك التمسك الشكلي بالوزن، يقول عن ذلك: « كلماتي لا تخرج دون معطف التفعيلة في الشتاء، ولا تتمشى دون نعل الإيقاع في الصيف، ليس عن موقف مسبق أو ما شابه، إلا أنني لا أتخيل القصيدة دون وزن، قد يكون الإيقاع متحقق في أشكال متعددة، فالنثر له إيقاع، والتفعيلة لها إيقاع، والعمودي له إيقاع، فمفهوم الإيقاع يختلف عن الوزن، الإيقاع أكثر تعقيداً، والاعتماد عليه وحده يمثل لي مغامرة غير مأمونة العواقب، ربما لهذا السبب أميل إلى الوزن الذي يقع في مساحة معرفية أكثر بياضاً، ولا أجد مبرراً في الحقيقة للتنازل عن الوزن في وقت ينتشر فيه اللاوزن، ممثلاً في الرواية، والقصة، والمقالة، وما سواها. الغريب أن كثيرا من شعر التفعيلة من السهولة الاعتقاد بنثريته؛ أي خلوه من الوزن، وهذا يحدث كثيراً لشعراء التفعيلة، والكبار منهم كذلك، فيعتقد خطأً أن بعض قصائد التفعيلة غير موزونة، إذ تتخذ إيقاعاً نثرياً مع بقاء الوزن ».

- 2 -

(إن الشاعر يعرف ما يجهله)

_جوزيف جوبير_

من بداية مطلع قصيدة (نجد 1300هـ) للشاعر زياد آل الشيخ، يأخذ القارئ بإيغالٍ إلى المتواري بالكتمان، وما تمادت به الذاكرة بالجفاء، لأنَّ حتى استحضار ذاكرة «الشِيبان» وعجائز نجد فيه من العناء ما يشبه حدوثَ أليمِ التجارب مرةً أخرى. فحكايا سنة الجوع، الغرقة، الرحمة.... تجلب معها ما يفوق التذكّر لتكرار الوجع، وشجون أخرى. وبما أن مخاطبة المتلقي قد تجعل الموقف في نصوصٍ ما بين ضفتين: قائل داخلي وسامع حر، نجد في هذا النص تأبطا يجمع الاثنين، يشبه مباشرة الخطاب في القصيدة، عبر فَتحٍ شعري يعيد خلق حالة معينة بعد استبطانها ومرورها عبر الذات..

«أخرجْ من البئرِ استرحْ

الليلُ آتٍ لا مَحَالةَ،

قرْبَتانِ ستكْفيانِ فقد نرى في القَريةِ الأخرى هدى

[عمَّا قليلٍ ننْتهي فانوسُهُ السحريُّ سوفَ ينامُ

قريتنا سرابٌ ربما

الماءُ الذي في قِرْبَتي سأرِيقُهُ

خوفَ الرَّدى،

من يأمنِ الصحراءَ في الليل

الذئابَ،

البردَ،

قُطَّاعَ الطريقْ] *

نسأل الشاعر في ظل هذه الفوهة من سبابات الإشارة التي تَرِد مع كل صيغة أمر في القصيدة للمخاطب فيها، والقارئ في ذات الوقت: على مستوى الاستحضار الشعري ممن هو خارج الإطار الزمني/ المكاني بهيئته الموجوعة.. ما الذي يخلقه ذلك في مكنون الشاعر ذاته؟ وبالتالي يوقظ حضوره في المتلقي؟يقول زياد آل الشيخ: « في اعتقادي أن هذا الحضور يجري في ذاكرتنا الخلفية إن صح التعبير، هو حاضر في حياتنا من خلال تاريخٍ يعيش فينا، قسوة الحياة الصحراوية ورقتها ليست عنا ببعيد، فضلاً عن ذلك، ليست التجربة الشخصية في رأيي إلا امتدادا لتجارب أخرى على مستوى اللغة والتقاليد وقسمات الوجوه، هناك الكثير مما تحمله هذه الوجوه من تعابيرٍ وإشاراتٍ ومعانِ، الذي يجعل هذا الاستحضار أسهل لمن يعيش هذه البيئة.

لكن لا شك هناك هذا التناقض الضدِّي بين المكانين والزمانين في ذاتيتي الشخصية من خلال استحضار هذه التجربة التي تمثل عملاً شاقاً لتلبس الحدث في هذه القصيدة، وهو _على ما أعتقد_ نوع من العمل الانثروبولوجي الشعري للكلمة، هنالك كلمات تجد لها مكاناً طبيعياً في بيئة قصيدة من مثل (نجد 1300هـ)، وربما ينتج عن هذا الاستحضار ما يشبه حضور الغائب، أي أن يكون الغائب حاضراً في القصيدة لتكون وظيفته التضاد مع الحاضر، فيبرز هذا الحاضر بشكل أوضح، فالضد يظهر حسنه الضدّ، فالقصيدة في هذه الحالة تضع في المقدمة ما ليس موجوداً في واقع قارئها، لعلها توقظ في وعيه نشوة الانتصار كما لو كان أحد شخصيات هذه القصيدة وقد بلغ مدينته المجازية التي يبحث عنها، ربما لا أدري، أو لعله يشعر بالظمأ فيقوم إلى الثلاجة باحثاً عن كأس ماء، هذا السيناريو الأخير أراه أقرب إلى الواقع برأيي ».

- 3 -

(الزمن من أكثر أنماط الوجود خضوعًا للخيال)

_وك ويمزات_

غالباً ما يُخضع الشِعرُ الزمنَ إلى رؤيته الإشكالية التي لا يتحكم فيها سوى الخيال. وبصفة أعم نجد للزمان والمكان في القصيدة تأثيرا عميقا على تعيين الحالة الشعرية في أي نص، لدرجة تأثيرها أحيانًا في الموسيقى الداخلية والخارجية. وفي غالب نصوص زياد آل الشيخ يتبدى الزمن قادماً من بعيد، وكأن الشاعر يرمق المشهد عن بُعد؛ بمنحى يوثّق صوته لحدث ولا يتقاطع معه..

« يقول: لقد أصبحتَ نافذةً من الزجاج على غرناطة الآن هل نطلُّ

منها متى شئنا؟ ونخدشها متى

أردنا كأغصانٍ وزوج يمامِ؟

أطلوا، سوى أني سأرخي ستائري

فلا فضةَ الذكرى ترون ولا الرنينُ

لي لغتي حصني الذي خلف سورهِ

أعلِّق قلبي غابةً من نخيلٍ

كيف يفهم هذا الأعجميُّ كلامي؟!» *

لن تستغرب أن يأخذك الشاعر لليالي أبي عبد الله الصغير الأندلسية، آخر أمراء غرناطة، سفراً عبر التاريخ، ومساحات أموية تحتمل ضمّة الحب، وكسرة الحرب. نسأل زياد آل الشيخ: هل تراه ينتقي الزمن في النص أم هو من يفرض حضوره «الماضوي» ؟ وبالتالي هل يؤدي ذلك لتلقي قارئٍ من نوعٍ خاص يختمر في ثقافته تلك الأبعاد؟ليجيب: « هذه ملاحظة مهمة، ولا أستطيع أن أتصور كيف يمكن للزمن أن يفرض نفسه، بالنسبة لي هو خيار فنّي بحت، قد يستنفد الغرض منه وأنتقل إلى أسلوب مختلف مستقبلاً. أما مسألة القارئ ففي تصوري أن الخصوصية قد تكون مزيجا من الثقافة والذوق، ولا أتصور فصلاً بينهما، لكن على المستوى المعرفي البحت، أعتقد أن القصائد التي تتخذ هذا المنحى الماضوي أو التاريخي، تمثل تحدي للقارئ، خصوصاً القارئ الذي لا يهتم بالتاريخ كثيراً، ويبحث عن المادة المتصلة بالواقع مباشرة، لكن لا يعني أن هذا القارئ لا يملك القدرة، كأن يحتاج إلى شهادة عليا في التاريخ ليصبح قادراً على التفاعل مع القصيدة، هذا غير وارد، إذن المسألة ليست مسألة طبقية، لكنها مرتبطة بالذوق والرغبة، ومساهمة الشعر في فتح آفاق معرفية للقارئ هي من الأدوار التي يجب أن يقوم بها الشعر الحديث، جزء من مساهمته في إثراء الثقافة كأحد روافدها، ما الضير أن يبدأ القارئ علاقته مع التاريخ من خلال قصيدة ؟! ».

«العاطفة وقود الشعر، وليست هناك عاطفة نخبوية أو شعبية» هذا ما يقوله زياد آل الشيخ، وهو أمر لا يُختلف عليه، لكن هل يمكن تعميم هذه الفكرة على النص؟.. ألا توجد لديك نصوص نخبوية بأبعادها التاريخية أو خياراتك اللغوية؟ ليجيب: « الإشكالية دائماً تنتج عن مفهومنا للنخبة، ورغم رفضي لهذا المصطلح عمومًا إلا أنني أعتقد بوجود نخب ثقافية متعددة، دائرة تتسع وتضيق، وهناك نخب على مستوى الذوق فهي ليست ثقافية فقط، وهذه النخب تتقاطع، وبهذا التصور يذوب مفهومنا للنخبة على أنها طبقة متجانسة ككتلة واحدة، لأننا نتكلم عن فن لا عن علم، في العلم توجد طبقة يمكن تعريفها من خلال مقاييس معرفية أو مؤسسية كالانتساب إلى مؤسسة أكاديمية أو الحصول على مؤهل عال وما إلى ذلك، لكن الفن مختلف، فالفن يقبل تفسيرات متعددة وهو بطبيعته متاح للجميع، فيمكن للقارئ أن يفهم النص بشكل يختلف عن غيره، وهذا الفهم من تركته الشخصية التي لا تدخل في حصر الإرث. فمن هذا المفهوم الذي ذكرت، يمكن أن أتصور أن خياراتي الشعرية فيما يتعلق بالأبعاد التاريخية والخيارات اللغوية، قد يجد قبولاً بين نخب مختلفة سواء ذوقية أو ثقافية يصعب علي تصورها، فحركة الثقافة في المجتمع معقدة، لذلك الحكم على عمل قبل نزوله بالنجاح أو عدمه كثيراً ما يفشل، هذه الحركة تحمل في طياتها كثيراً من المفاجآت سواء في الشعر أو في غيره ».

- 4 -

(الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالمٍ مغاير وأخروي)

_بودلير_

الشِعر عملية إنتاجية، من أجل الذات ولأجل الآخر، وقد يكون باتجاه ما لم يُعرف بعد. الذي يعده البعض تحديداً ذروة معرفة القصيدة. والطريق إلى هذا الاتجاه إذا كان مفروشاً بفضاءات بصرية واسعة يعمّق علاقة القارئ مع رحلته التذوقية للنص.

«أسافر من راحتيها بدون جناحينِ من نسْجِها،

وحرير يديها ولكن على فزةِ الشوقِ في مقْلتيها

أسافرُ في لغتي المرمريَّةْ

أسافرُ عكْسَ اتجاهِ السنابلِ، ضدَّ انشغالِ الحقول

ِإلى حيث أفقدُ تفَّاح وقتي وبوصلتي الذهبيَّةْ

إلى عالمٍ لا يراهُ سوايَ إلى حيثُ ينبتُ قلبُ

الغريبِ وروداً وتعشبُ كفُّ العطايا

مرايا على رعشاتِ الغديرِ كجيدِ صبيَّةْ

لأسقي البلاد كلاما

فتمطر حولي سلاماً

سلاماً

سلاما »*

في هذا المقطع من نص (رحيل بين قافيتين) يحضر النسق المشهدي في قصيدة آل الشيخ، بفضاءٍ مليء الوفاض، لنسأله: الآفاق المكانية الشاسعة تُبرز الحس البصري في نصوصك، إذ يحضر المكان بفضاءٍ مفتوح، ومشاهدٍ تنتقل من البساطة للتكثّيف.. ما تراها العوامل التي عززت ذلك؟ يرد: « لا استغرب إن كان السفر قد ثقَّفني بصرياً، فالسفر يجعل الإنسان أكثر وعياً بالمكان والصورة، اختلاف الأشكال والألوان والناس أيضاً، لذلك نجد في الشعر الجاهلي غنى في أسماء الأماكن والتضاريس حاضرة بقوة في الصورة الشعرية، فهي صورة تنبض بالحياة، لكن بالنسبة لي شخصياً أرى أن الذائقة لها دور، فهو محض اختيار أيضاً، أميل أكثر إلى الصورة المحسوسة حتى لو كانت في صيغة مجردة، وهي بطبيعتها تستدعي القارئ للمشاركة في إكمال المشهد، فهي تحمل ديناميكية ذاتية، عند الحديث عن وشاح مثلا، للقارئ أن ينقش هذا الوشاح كما يريد، وليس لي أي سلطة في الحد من اختياره، ولا يجب علي أن أمارس أي سلطة؛ لأنها مهمة فاشلة! ».

- 5 -

(لدى الأوربيين كل الطرق تؤدي إلى روما، وكل الطرقِ تؤدي إلى الشِعر عند العرب)

_نزار قباني_

يؤكد بعض النقاد أنّ القصة القصيرة أقرب الفنون إلى الشِعر؛ لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة في الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز في البناء والتكثيف في الدلالة، وهما سمتان جوهريتان في العمل الشعري. ومن ناحية موازية بات النَفَس السردي في القصيدة يأخذ البعض رواجه كأسلوب انتصار لما يسمّى (زمن السرد).. وهو أسلوب حاضر في نص آل الشيخ، في مقاطع تلبس نَفَس الحكّاء.

«يأتيني الهدهد بعد صلاة الفجرْ

فيحط على غصن الزيتونْ

في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف بشريط أسود حول النصفْ

فأقول له ما الأمرْ؟ »*

في رؤية للناقدة د. فاطمة القرني تقرأ هذه الجزئية عبر قصيدة (الهدهد) التي سلف مطلعها، حيث وصفتها بأنها نموذج لصور القص التفعيلي التي يبرز فيها عنصرا الحوار الداخلي، والترميز التمثيلي على ما عداهما من عناصر القص. نتوجه بتساؤلنا للشاعر عن كيفية تعامله مع العوالم السردية في النصّ الشعري، هل هو مسلك مقاربة للفنيين؟ أم أخذٌ لأحدهما في اتجاه الأخر؟ فيجيب: « قد يكون عند بعض الشعراء حساسية حيال مصطلح (زمن السرد)، بما يمثله من غلبة السرد على الشعر، إلا أنني أعتقد أن المقارنة غير سليمة، حيث إن السرد موجود في الشعر من القدم، والشعر موجود كذلك في السرد، أنا لا أتكلم هنا عن الرواية، قد يستخدم السرد مرادفاً للرواية، لكن أتحدث عن التقنيات المرتبطة عادة بالسرد مثل: الخط الدرامي، وتقنيات السينما، والمونولوج الداخلي، وما إلى ذلك، كل ذلك ليس حكراً على الرواية، إذ يمكن جعل السرد أو الدراما عنصراً بنائياً في تركيب القصيدة، وهو ما سعيت إليه في كثير من قصائدي. فالشكل العروضي التفعيلي فتح باباً لاستثمار هذه التقنيات في القصيدة، مقارنة بالشكل العمودي، وهي تفتح أفقاً إضافياً، بُعداً رابعاً إن شئتِ، فلو نظرنا إلى معلَّقة امرئ القيس التي تمثل النموذج التأسيسي الأمثل للقصيدة العربية، نجد العنصر القصصي حاضر بشكله السردي والحواري بقوة في القصيدة، فمن ذلك نتساءل عن إضافتنا إلى هذه التجربة المبكرة في القصيدة العربية، لنجد أننا لم نتقدم كثيراً على هذا الصعيد حتى وقت مبكر، فإذا أخذنا ذلك في الاعتبار يمكن أن نقول إن في السرد مساحات شاسعة للاكتشاف، وقد يكون هذا التوجه ملائماً الآن لمقاربته روح العصر كما أشرت في السؤال ».

_اتجاه_

الموقع الشخصي لزياد آل الشيخ

http://www.alziyad.com/


الثلاثاء، أغسطس 07، 2007

تحقيق// غياب المحرر الأدبي وخراب مالطا الإبداع المحلي

غياب المحرر الأدبي وخراب مالطا الإبداع المحلي
د. علي الرباعي: لا يمكن التقليل من عمل فني متكامل بسبب غياب المحرر


منال العويبيل - الرياض

«صدرت رواية «سعوديات» لسارة العليوي في نهاية العام المنصرم 2006م، وطُبعت حتى الآن طبعتان، وتستعد لطباعة الثالثة، ويغلب على الرواية اللهجة العامية، كما أنها مليئة بالأخطاء الإملائية، والتي بررتها العليوي بأنها «ليست أستاذة في اللغة»، واعتبرت ذلك ليس شرطاً لإصدار رواية»..
انتهى الخبر، ويبدأ الطرح: نجد أن علاقة المبدع العربي بالمحرر الأدبي لازالت (وستظل فيما يبدو) علاقة ملتبسة، فإن تغاضى المتلقي _ مكرهاً لا بطلا _ عن هفوات بعض الأسماء الجديدة، لا يمكنه تجاهل فئة كبيرة من الكُتّاب البارزين الذين يُلبسون نصوصهم نوعاً من القداسة، ويسبغون عليها من الغيرة المبالغ فيها ما يصدهم عن التعامل مع المحررين الأدبيين الذين بات دورهم متصاعد الأهمية في دُور النشر الأجنبية، حيث تخضع نصوص أبرز الكُتّاب العالميين لأدوات المحرر الذي من المفترض عليه أن يقوم بعملية التدقيق والتصحيح، وصولاً لتخليص النص الأدبي من الزوائد.
هذا الإجراء الذي لا يسلم منه حتى بعض من نالوا جوائز نوبل للآداب، دون أي حساسية، أو مساس بقاماتهم الإبداعية. وبالتالي، يظل دور المحرر الأدبي الغائب عن واقع النشر العربي عاملاً يعزز خروج أعمال تشوهها الأخطاء النحوية واللغوية، فضلاً عن الضعف الفني. والعديد من الروايات المحلية مؤخراً شاهدة على ذلك الغياب.وحول ما إذا كان غياب المحرر الأدبي عن واقع النشر العربي إشكالية هامشية أم بأهمية اعتبارها أحد أسباب تدهور الإبداع المطبوع، توجهنا بعدد من التساؤلات لعدد من مبدعي الوسط المحلي.


وحول ما إذا كان غياب المحرر الأدبي عن واقع النشر العربي إشكالية هامشية أم بأهمية اعتبارها أحد أسباب تدهور الإبداع المطبوع، توجهنا بعدد من التساؤلات لعدد من مبدعي الوسط المحلي.القاصّ والروائي صلاح القرشي يجد أن مسألة تفعيل وجود محرر أدبي أو مصحح لغوي في دور النشر هو أمر مهم.. وخصوصا من جهة وجود الكثير من الأخطاء النحوية والإملائية في بعض الأعمال الجيدة, كون وجود مثل هذه الهنات اللغوية يقلل من جمال العمل ويشوهه.
القاص فهد المصبح يرى أن حضور المحرر الأدبي عربياً لا يتعدى إقحامه من قبل جهات خاصة بما هو شاذ عن تخصصه؛ فيعمد إلى المواءمة والتواجد على الساحة بشكل مرتبك مربك يزيد السوء سوءا يلمعه بالإثارة, وهذا مرجعه إلى غياب التخصص عندنا؛ يستعاض عنه بالقارئ الواعي المتلقي، أو الناقد الموضوعي، والناشر الملتزم بقضية الأدب والنشر، إذ يقول أحد النقاد الأكاديميين: إن (راء) كلمة ناشر أبدلت (بلام) فأصبح «الناشر» «ناشل»!
للقاص الدكتور علي الرباعي رؤية مغايرة لما سبق حيث يرى أنّ التحرير الأدبي موهبة لا تقل أهمية عن المنتج الأدبي والإبداعي، إلا أنه لا يمكن أن نقلل من أهمية عمل فني متكامل بسبب غياب المحرر، فكم من مواد محررة بشكل لافت لكنها لا تحمل فنية، ولا فكرة، وتفاصيلها مملة، والمبدع هو المسئول الأول عن تحرير وطباعة أعماله بطريقة تليق بمستواه، بعيداً عن العبث والمؤثرات الجانبية.

القاص علي الزهراني يرى أن دور المحرر الأدبي مهم جدا، وفي اعتقادي _ كما يضيف _ يتجاوز دوره دور «مقص الرقيب» إلى بلوغ ذروة الإبداع، إلى القمة. حتى افتراضاً لو شاور الكاتب بعضا من أصدقائه حول منتجه الأدبي، وأخذ آراء عدة، بالطبع مختلفة، عندها أليس هذا هو دور المحرر الأدبي؟ بل عليه تقع المسؤولية كاملة في نجاح أو فشل المنتج الأدبي من المخطوطة إلى دور الرقيب اللغوي حتى طباعته! أم غيابه معناه مزيد من الفشل والعري وأحلام السراب؟
*
*
*
*
قف / STOP !!
أما إذا ما كان إقصاء المحرر الأدبي تترتب مسئولية تفعيله على دُور النشر العربية، بل واشتراطه على موافقة طبع الأعمال الأدبية، أم أنها مسئولية الكاتب بالاتفاق مع من يتولى تحرير نصّه كحل وسط، ومن ثم يقوم بتسليم النص لدار النشر جاهزاً للطبع.. وما قد يتأتى من آليات تحيي هذا الدور ترفع لافتة توقف لتداعيات الوضع الراهن. يقول صلاح القرشي: المسؤولية هنا تخص الجهتين, جهة الكاتب, وجهة دار النشر, وربما لأن بعض دُور النشر العربية لا يهمها غالبا سوى قبض الثمن فهي لا تكلف نفسها عناء قراءة العمل، فما بالك بتصحيح تلك الأخطاء النحوية والإملائية.. شخصيا، أعتقد أن وجود مصحح أو مراجع للعمل من جهة اللغة هو أمر مهم، ويضيف للكاتب وللكتاب الكثير، كما يجنبه أيضا الكثير من التشوهات المعيبة.
أما فهد المصبح فيؤكد جازماً أن الأمر بلا شك حق للكاتب، ولا أحد سواه، إلا من يرتضيه قيما على إبداعه, فيوكل إليه بالمراجعة والتهميش على النص، ويدققه قبل دفعه إلى جهة النشر, وأرى أن الأمر فيه خلط بين طبع عمل كامل في كتاب، وبين نشر عمل في صحيفة, وأغلب الكتَّاب يجعل النشر لا الطبع (بروفة) لتلافي أخطائه جراء تلقي آراء القراء، فيكون حرا في تعديلها أو عدمه, أما طباعة العمل في كتاب فلا يحق للكاتب بعد ذلك التعديل أو الاعتذار عن خطئه، بل يحاسب عليه فنيا ورقابيا لا يملك معها إلا التراجع مصحوبًا بالاعتذار، إذ هو أصبح مسئولاً أمام الله والعالم عن كلماته وأفكاره.
علي الزهراني يورد مثالاً ليسوق رؤيته حول هذه النقطة، إذ يقول: لدي مثلاً منتج أدبي، ووضعته على طاولة المحرر الأدبي، وتركت له الحرية كاملة يتصرف كيفما يشاء، ولكن بشرط _ هنا مربط الفرس _ ألا يتعرف «المحرر الأدبي» على كاتب النص، ولا على مسماه النهائي، لكي يكون حكمه مجردًا وبموضوعية وحيادية، وأظن هذا هو السائد! أما قضية الاتفاق بينهما فأعتبره «عبثا كتابيا مخلّطا»، وأما إقصاء دور المحرر الأدبي فهو كمن يستجير من الرمضاء بالنار!
د. علي الرباعي يرى أن العبرة ليست بكتابة العمل فقط، بل على منتِج النص أن يراجعه، ويعيد قراءته في بروفته الأولى والثانية، ولا حرج في الاستعانة بمتخصصين لمساعدته في اللغة والتشكيل، فالضعف وفشل العمل محسوب على الأب الشرعي للمنتَج.
*
*
*
*
حضرت الشرارة وبطل الفتيل !
في تصريح للروائي الجزائري المقيم في إيطاليا (عمارة لخوص) رفض فيه أن يُمنح النص الأدبي أي قبيل من القداسة، وأشاد بدور «المحرر الأدبي» في دُور النشر الأجنبية الذي يرفضه معظم الكتّاب العرب، واصفاً إشكاليتهم بالغيرة المبالغ فيها على أعمالهم، حيث يرفض الكاتب العربي أن يقترب الناشر من رواياته أو قصصه «التي يغار عليها كأنها زوجته» على حد وصفه.
ولو اتفقنا على فكرة تقديس المبدع العربي لنصّه بما يصل للمبالغة، نتساءل عن كون ذلك ثقة عمياء في المستوى الإبداعي الذي لا يرغب بأن يُمس، أم إظهار التمكّن الكامل بالأدوات اللغوية والنحوية، ليجيبنا صلاح القرشي بقوله: لا أعتقد أن المسألة لها علاقة بفكرة التقديس, لكن ربما يعود الأمر إلى ثقة مفرطة لدى بعض الكتاب بتمكنهم اللغوي، أو ربما يتعلق الأمر أحيانًا بالاستعجال أو الاستسهال، أو الاعتقاد بعدم تأثير بعض الأخطاء على العمل الأدبي.أمّا فهد المصبح فيؤكد على أن التشوه والأخطاء والضعف الفني ستتواجد مع وجود المحرر الأدبي وغيابه, غير أن أمورا كهذه يمكن تلافيها, أما جوهر العمل ونفحة الإبداع فيه فلن يوجدها تواجد الناس جميعا, وهو أمر مرتبط بالكاتب صاحب العمل.
ويضيف: ولا أخفيكم بانحيازي نحو اعتزاز وتمسك الكاتب بنصه مادام العمل الأدبي ليس مطروحا كورشة (أي لم يكتمل)، هنا يحق لنا التعالق مع النص مهما كان ولمن كان, ويستوي في نظري الحذف والإضافة للنص كتشويه له، ما لم يكن بإذن واتفاق مسبق مع الكاتب, فإن قولتني شيئا لم أقله في نصي، أو حذفت منه شيئا قلته وأثبته فهو جريمة في حق النص وكاتبه، وأظن أننا نعود إلى الرقيب أو الوصي من حيث نشعر أو لا ندري.
أما د. علي الرباعي فيوجز رؤيته في فكرة مفادها أن القداسة للنصوص مبالغة لا أظنها تصدر عن وعي بقدرة الذات وقدرات المتلقي.علي الزهراني يجد ادعاء المبدع العربي بأن منتجه الأدبي مقدسًا أو ثقته الكاملة بنفسه ضربًا من الغرور والخيلاء، في ظلّ المعطيات السابقة.. يقول: هناك أكبر دليل على صحة ما أقول، فالقصة الكاملة في «سورة الكهف»، وكيف أن موسى عليه السلام اعتقد أنه أعلم بكل شيء سوى الله سبحانه، ثم تفاجأ أن هناك شخصا آخر أعلم منه، وهو الخضر عليهما السلام، والله طبعا أعلم من الجميع، قال تعالى: ((وما فعلته عن أمري)) الآية.
وبرؤية موازية يقول: إن حرية كاتب المنتَج الأدبي يُعتبر نوعًا من الديمقراطية، بمعنى مطاطية التقديس، كون مبدع المنتج الأدبي (مشهورًا أم مغمورًا)، ويراه حسب رأيه واعتقاده (الأصلح والأكثر من رائع)، وهذا حقه طبعًا، لكن دون المساس بإبداع من يمارس النقد (المحرر الأدبي)، وفي ظني لابد من أن نعطي حرية أكثر للمحرر الأدبي بتجاوز دوره اللفظي أو النحوي، بل نعطيه بلغة المسرح خلْق «نص آخر» لا يقل إبداعًا عن النص الأصلي، عبر إيراد الإيجابيات والتنويه عنها صورة وتألقًا ومتعة، وفي نفس اللحظة إيراد السلبيات وفضحها على الورق والتحذير منها، كون المنتج الأدبي لا يخص المبدع الكاتب، بل بعد طبعه ونشره سيكون ملكا للقرّاء لقمة سائغة بالهناء والشفاء! فلنعتبره «المحرر الأدبي» مكملاً، بل بروازاً لاكتمال الصورة في حلتها النهائية، لكن لابد من قلم مشرط المحرر الأدبي أن يتجرد من الدوافع الشخصية، بمعنى أصح ألا يدخل المنتَج الأدبي غرفة «العناية المركزة» في حالة احتضار، وطبعًا لا يقترب «المبدع الكاتب» من الثالوث المحرم، عندها لا بد من إجراء عملية قيصرية فورًا، ولا يهم بعدها أن يولد خديجًا غير مكتمل النمو!!
*
*
*
*
سلّمٌ بالعَرض
على هذا الصعيد أثيرت مؤخراً قضية القاص جار الله الحميد الذي هدد باللجوء إلى القضاء لاسترداد مجموعته القصصية من نادي الرياض الأدبي، بعد أن تلقى الحميد قائمة التعديلات والتصويبات التي اشترط المحكِّم قيام الأول بها كشرط لطبع مجموعته.
وعلى هذا الأثر طرحت السؤال على المشاركين عبر تجربتهم مع الإصدار الخاص، حول إذا ما سبق أن تعاونوا مع أي نوع من المحررين الأدبيين، وتقبّلهم لهذا التوجه، ليجيب علي الزهراني: لي مجموعتي القصصية الأولى بعنوان «السعلي» قدمتها قبل سنة لناد أدبي، وجلستُ انتظر قرابة الستة أشهر حتى أنهاها «المحرر الأدبي»، فقرأتُ ملاحظاته النارية وكأني اقرأ نصوصي لأول مرة، من كثرة الملاحظات عليها، ولكوني أعلم بجهبذة وحرفنة وإبداع من كتبها قمتُ فورًا بتغيير أغلبها، بل بعض عناوين القصص، ولم أجد حرجًا في ذلك. والآن لدي مخطوطة كتاب نقدي بعنوان: (قراءة في إبداع شعراء الساحة) قدمته للدكتور الكبير عالي القرشي، ومن الآن ليس لدي أي حساسية أو غضاضة في تقبل نقده على كتابي النقدي الجديد.
صلاح القرشي أجاب أنه لم يسبق له التعاون مع محرر أدبي بهذه الصفة،.. لكنني _ كما يردف _ وخصوصا في روايتي الأخيرة (بنت الجبل) حرصت على أن يراجعها بعض الأصدقاء الذين لديهم إلمام جيد باللغة من جهة النحو وجهة الإملاء.. لأن هناك أشياء قد تغيب عن ذهن كاتب العمل، ربما لقربه الشديد والمستمر من عمله. وفي مجموعتي الأولى كانت هناك أخطاء نحوية كان لي أن أكتشفها لو كنت اقرأ لكاتب آخر، لكنني وقعت فيها.. لكن في الرواية كانت الأخطاء _ والحمد لله _ قليلة، أو شبه معدومة.
على ذات الحال كانت إجابة فهد المصبح، يقول: لا لم يحدث لي أن تعاونت مع أي محرر أدبي, لكنني راجعت كتبي مع أكثر من شخص، ودفعته للتدقيق الإملائي والنحوي, وأحيانًا بمقابل، حتى يكون الحرص اشد في المراجعة, وبالمناسبة أشكر كل من ساعدني وشاركني الهم والمعاناة.
*
*
*
*
أقوى من الشدَّة أطول من المدَّة
في مطلع التسعينات الميلادية، أو قبلها، نالت البرامج التلفزيونية التعليمية (مع التنبيه على كونها تثقيفية ممتعة أكثر مما يوحيه اللفظ) نالت حضوراً مميزاً أثرى الذائقة على مدّ الوطن العربي، عبر برامج من قبيل (المناهل) من الأردن، و(مدينة القواعد) من العراق، وسلسلة برامج الإعلامي المميز (شريف العلمي) بتكثيف جمالي لحضور اللغة العربية الأصيلة، بقوالب سلسة قرّبت إليها الصغير والكبير.
ما ذُكر أعلاه ليس لغرض الحنين فقط، بقدر استحضار شخصيات من قبيل (مصحح الغلطاوي) في برامج شريف العلمي، الذي دأب فيه على تعديل الأخطاء اللغوية.. إضافةً لحضور المصحح اللغوي في (مدينة القواعد) بإطلالاته الرخيمة عبر فقرة (قل ولا تقل)، حيث تثبّت الصورة بعد كل خطأ (لا يُفتعل حضوره)؛ ليُمنح صوت المصحح فرصة التعديل المؤدِّي الأدوار، عوضاً عن التعديل المونتاجي للخطأ؛ لغايةٍ مثرية تتمثل في تأصيل ما تم تصحيحه.
فيا ترى، كم من محرر أدبي متمكن يحتاجه الإنتاج الإبداعي العربي، ولو من وراء حجابِ ناشر، ليستقيم عوج الوضع الراهن؟! مع التنويه بأن ليس كل محررٍ أدبي كعبث الشرير خربوط في برنامج (المناهل)، وفي ذات الوقت لن يتأتى لكل الأدباء بطولة (أبي الحروف) اللغوية.

الأربعاء، أغسطس 01، 2007

تحقيق// «الجسد» كبطاقة حمراء في وجه الشاعرة السعودية


اليوم الثقافي
«الجسد» كبطاقة حمراء في وجه الشاعرة السعودية
هيا العريني: دخول الجسد في القصيدة بعفوية الشاعرة عمل إبداعي مرغوب


- الشاعرة بديعة كشغري -
منال العويبيل - الرياض

يراهن البعض على احتلال الجسد لاهتمامٍ كبير في الدراسات الإنسانية في القرن الحالي، خاصةً بعد إدراك المدارس الفكرية المختلفة لمدى تغييبه في الماضي، وإذا اعتبرنا الشعر «ضمنياً» كأحد الدراسات الإنسانية.. نركِّز عبر هذا المقام حول ولوج «الجسد» في شعر المبدعات المحليات، في ظلّ اعتباره عتبةً تذهب بسالكتها لخطٍ أحمر طوعاً أو كرها.
فمن منطلق ما سبق «ولأسبابٍ أُخر» غُيِّب الجسد في كثير من قصائد الشاعرات السعوديات، وعند إحالة ذلك لسؤال تُجيب الشاعرة هيا العريني (غيداء المنفى) عليه بقولها: ربما يعود ذلك إلى الحصار الذهني على الأنثى، ومحاولة إحباط أفكارها لحضيض الدونية في حالة الدخول للجسد، وربما الخوف من فتح بوابة تعجز عن إغلاقها.
بينما تنحى الشاعرة (بديعة كشغري) لمزيدٍ من التفصيل، فتقول: إذا سلّمنا بأنَّ الشعر نوع من الخلق الفنّي الذي يتواشج فيه الوعي واللاوعي، كما يمتزج فيه الإدراك الذّاتيّ/ الآنيّ بالجمعي/ التراكمي، فإننا لا نستغرب غياب الجسد في قصائد المرأة العربية عامة والسعودية خاصة، لارتباط كتابة القصيدة بالواقع الاجتماعي المتحكَّم في نظرة المبدعة لذاتها، والممارس رقابته على هذا الإبداع منذ القدم.
أما الشاعرة (أمل الفرج) فتؤكد على ذكورية المجتمع كسبب للغياب، تقول: الانطفاء الجسديّ في شعر الأنثى له أسبابه في مجتمع ذكوريّ كعالمنا العربيّ برغم الانفتاح، ولكنْ يبقى هذا الجانب للأنثى عموماً جزءاً من نفسها، فنراها تحتفظ كثيراً بتعابيره الخاصّة لنفسها, ولا تُظهرها شعرياً.
وعلى ذات العائق الاجتماعي ترى الشاعرة (أسماء الزهراني) أننا نحيا في إطار اجتماعي صلب يصعب القفز خارجه، بصرف النظر عن طبيعة هذا القفز، ومشروعيته.
الشاعرة (هيلدا إسماعيل) تركِّز على ضغوطات المجتمع، حيث تقول: أظننا محكومين بمعايير اجتماعية راسخة لا تقبل الجدل، بينما تعدّ أكثر خطورة من شائعات سرعان ما تنطفئ؛ لأنها ببساطة تعمل ضدّ نفسها، خاصة حين (تهمِّش) جزءاً كبيرا من اللغة، و(تهشِّم)جزءاً آخر منها.
أما الشاعرة (أمل القثامي) فترى أن النص الجسدي لا يعني أنَّه فضائحي، بل يخلق فضاءه الجمالي في ذاكرة القارئ؛ لأنَّ الحياة وكل حركاتها نتاج جسد، فالمتلقي يميل إلى تلك التعبيرات الجسدية، كونها تترك له مساحة خصبة من التأويل. النص الجسدي هو في الحقيقة بؤرة الاهتمام الشعري منذ القِدم، والشعر الجاهلي ارتكز على ثمار الجسد الإيحائي والحسي، وهو من أعظم الشعر إلى وقتنا الراهن. وأستغرب الآن هذا الاستنكار لحضور مفردات الجسد، ولاسيما إذا كان المبدع أنثى!.
أما الشاعرة (كوثر الأربش) فتفسِّر رأيها بنظرة ذاتية: الجسد بالنسبة لي مجسٌ للحالة النفسية.. منحنى ينخفض، ويصعد للتعريف عن حالة الروح، والوجع، والفرح.. ولا يمكن أن يكون مجرد معرضٍ لصور مخبَّأة. جسد المرأة مثال تعود له الصور, فالشمس الصاخبة مثل جسد دافئ.. وهكذا.
*
*
*
حلالُ السرد.. حرامُ القصيدة!
يكاد يُجمع المختلفون على هذا الطرح أنَّ حضور الجسد في القصة أو الرواية غالباً ما تُلتمس له أعذار سردية، بينما يُعاب حضوره في الشعر حد المهاجمة.
ا(الخوف) سببٌ يتصدر رأي (هيا العريني) التي علَّقت: الخوف من حضور الجسد في القصيدة ربما يعود لكونه (الرمز المثير للغرائز)؛ لتفرّده في القصيدة بمضامين ربما تكون ضبابية، بحكم الحرص على انتقاء مفردات تحكمنا في القصيدة، أمَّا في الرواية؛ فبالإمكان بناؤه بجملٍ أكثر عفوية وإيضاحا.
أمّا (هيلدا إسماعيل) فتبدد الشكوك حول جوازية ذلك، تقول: جمالية النص الشعري ترتكز على المعنى الاحتمالي الذي لا يقدّم إجابات قطعية. قد تكون نوعاً من لعبة التخفي والانكشاف الخاضعة للابتكار، والمتمسّكة بتجربة لا تعطّل الحواس، ولا تبتذلها، ولا تحبسها داخل رؤية مغلقة. فالشعر الحقيقي هو الذي يَخضّنا شعورياً، ويؤهب خلايانا لحدوثه، الذي لن يعبر «الجسد» من خلاله محايداً، مبتذلاً، إنما برواز يتعانق مع الروح بفنيّة متكاملة.
أمّا التبرير الذي يحدث في السرد فتفسّره (أمل الفرج) بقولها: المنجز السرديّ يُعنى باستمراريـّة الوصف وتطويق التفاصيل، فلا تضره هيمنة الجسد أو غيرها، أمّا الشـّعر فأجمله معتمد على الرمز والومض!.
ا(أسماء الزهراني) تجد هذا نتيجة لمفهوم خاطئ تأتى مع رواج الكتابة السردية حاليا.. فالشعر فنّ النخبة، والرواية فن الجماهير، لكنْ لا علاقة لهذا بالتمييز العنصري بينهما فنياً، التمييز نسبي يتعلق بظروف التلقي، لكنْ لكلِّ فن قوانينه.
ذاتية النص الشعري تجدها (بديعة كشغري) أحد الأسباب المباشرة مقارنةً بالسرد: فحضور الجسد في السرد النسائي نلتمس له الأعذار، أما في الشعر فالإدانة مباشرة، لأنَّه أكثر العمليات الإبداعية خصوصية، وغالباً ما يتحدث الشاعر (بضمير المتكلم). هذا لا يعني وجود مبرر لمن ينظر هذه النظرة السطحية لوظيفة الشعر.
*
*
*
بين عرضية الغياب وتعمّد التغييب
وحول ما إذا كان غياب النص الجسدي مقصوداً من قِبل الشاعرة.. تتراوح رؤى المشارِكات إثباتاً أو نفيا، حيث رأت (بديعة كشغري): إنَّ الأمر انعكاس للنظام الاجتماعي الموروث الذي يربط «الجسد» بالجنس، ويربط الجنس بالشرف بمجَّانية جاهزة، وهو جزء من فخ «التابوهات» التي تنكر على المرأة حقها الإبداعي في التعبير عن جماليات العلاقة التي يرتقي فيها الحسي والروحي. هكذا عندما تكتب المرأة القصيدة عليها التخيل أنها في «غيتو» جسدي عازل يحظر عليها التعامل مع المدركات الحسية، مما يؤثر سلباً على فنية القصيدة. ويؤدي لشرخ جمالي وإنساني في التجربة الحياتية.
ا(لا شك أنّ المرأة ذات وعيّ مختلف لصياغة الشـّعر الجسديّ) هذا ما قالته (أمل الفرج) التي تردف: وأراها _أي المرأة_ تتقنه بجموحٍ لو أرادت, ولكن طبيعة عالمها، والمنبت الاجتماعيّ يجعلها تركن إلى تقصّـد غيابه.
ا(أسماء الزهراني) ترجّح تعمّد الغياب وعرضيته، فترى أن الأمر مزيجٌ من هذا وذاك، فهي تفعله بتأثير الإطار الاجتماعي الذي نشأت فيه. لكن ينبغي أنْ يظل الأمر خياراً فنياً تملكه الشاعرة دون خشية للتصنيف.
ومن زاوية التجربة الخاصة تطرح (أمل القثامي) رؤيتها بقولها: الجسد في قصيدتي يأتي من رؤيا معرفية ثقافية لا أهتم فيها بتفصيلاته إلاّ في سياق علاماتي/سيميولوجي يخدم رؤيتي التي أرومها. وبما أني أحب أن تكون لي خريطة شعرية مميزة، فإني أميل لاستعمال (النص الجسدي) في كثير من عباراتي الشعرية بكل أبعاده الثقافية والإيحائية والأسطورية... .
أمَّا (هيلدا إسماعيل) فتنحى لتفسير مغاير يرتئي أن الجسد لا يلبث أن يطفو بعفوية على سطح القصيدة، تقول: جميع الأفكار المُعبّر عنها شعرياً مهما أوغلت في التجريد والمواربة.. لا بدّ من استعانتها بالأعضاء، التفاصيل الصغيرة... ولكنْ إنْ أصبحت «لغة الجسد» في العُرْف الحديث «عيباً»، سيصل بنا الأمر لاختراع قصائد تتحدث عن كل شيء إلاّ ما يتعلق بنا، عن مخلوقات فضائية مثلاً ببنيَة فراغية، وعين واحدة في منتصف القلب، لم نرها، ولم نولد بها!
أمّا (هيا العريني) فتفسر الأمر بقولها: في بعض قصائدي ربما يكون غياب الجسد حالة لاوعي، وليست مقصودة.
*
*
*
ا«الجسد» في فخّ الإباحيّة
يمكن للمتابع استشفاف نظرة نمطية تعدُّ النص الجسدي نوعاً من الأدب الإباحي (الأيروتيك)، وهو ما ترفضه (بديعة كشغري)، تقول: هذا الاتجاه الجديد في قصائد الشاعرات يتجاوز التنميط، فهو ينطلق من وعيهن بعملية الإبداع التي تستجلي الجوهر، وتستبطن العقلي، بما يمكنها من صياغة الحالة الشعرية المدغمة للروح والجسد مع العناصر الكونية الأخرى. والشاعر الجيد هو من استطاع اكتناه كل هذه العوالم بأبعادها «السايكو جسدية».
رؤية (هيا العريني) ترمي لمسئولية مشتركة عززت النظرة النمطية، فتقول: (حين يسخَّر الجسد في قصيدة المرأة في بناء مفردات إباحية لإثراء غرائز ممجوجة ولفت الانتباه بتصنّع مقيت، فهذا له قرّاؤه، غير أنَّ دخول الجسد في القصيدة لاكتمال جزئياتها بعفوية ونضج الشاعرة هو عمل إبداعي مرغوب.
أمّا (هيلدا إسماعيل) فتنحى لتبني ما قد يبدد هذه النظرة، تقول: إذا كان «الجسد» أصبح بفعل المغالطات مؤخرًا وجهاً لعملة «البورنو/Porno» (الأدب الخليع)، فمن الواجب علينا كمثقفين إعادة «طهارة» خُلِقَ بها ولأجلها، ونراهن على المتلقي الذي لا يتجاوب مع النصوص من منطلق بدائي، بل يكون قادراً على إنقاذ ما تبقى من أحاسيس ضمرت تدريجياً نتيجةً لكل ما يتعرَّض له الأدب من هزّاتٍ نابعة من وسطٍ يروّج للإثارة عبر إعلامنا، وليس أمامنا من بديل غير التأكيد على الفروقات الحقيقية بين «الجنس» كسلعة هابطة تروّج للنص، وبين «الجسد» بمعناه الإنساني.
ومن منحى يغلِّط النظرة النمطية المذكورة تقول (أمل الفرج): الإباحية لا تكوّن أدباً. الجسد والروح هما فلسفة متكاملة للحياة, وآيتان من آيات الجمال، ولابد أن نحسن توظيف التعبير عنهما بعيداً عن التفسّخ.
أمَّا (أسماء الزهراني) فتقلل من أهمية الفكرة بقولها: المسألة في نظري نسبية، فمتى ما ظل الأمر في حدود الفن والجمال، لن يدخل في حدود الأيروتيك.
ا(أمل القثامي) تعوّل على توعية المتلقي، تقول: كشاعرة أطالب القارئ بتوسيع مداركه، وتقبّل (شعرية الجسد) إذا كان لها سياق هادف؛ لأن الجسد له امتداد تواصلي مع الكون الممتد، واستغناءنا عنه محال.
*
*
*
ا«الجسد».. في قلب الشاعرة
وبمنأى عن التفاسير القادمة من خارج الناصّة نستجلي رؤى الشاعرات عن حضور الجسد في قصائدهن، لتوضح (هيا العريني) بقولها: حضور الجسد في قصائدي يأتي لخدمة المعنى واكتمال القصيدة، وليس لي مآرب أخرى.. فأنا لدي سقف قريب من قامتي لا يمكنني تجاوزه حفاظا على سلامة رأسي ومبادئي.
بينما ترى (أسماء الزهراني) الأمر يعود للقارئ الذي يجد في حضور الجسد جرأة، أما لدى الشاعرة فيُفترض ألا يخرج عن كونه فناً وحسب. وتضيف: أومن بأنَّ الذوق والجمال لا يتعارضان مع الفن، فإذا خرج الأمر عن هذا الثلاثي تعدَّى السقف.
ا(أمل الفرج) تُشرع الباب لكل الاحتمالات، فتجد حضور الجسد ينصب في الجرأة، حرية التعبير، المغامرة، وأكثر! إضافة إلى عدم وجود حدٍّ للإبداع إن كان عفيفاً، فالتماهي مع الجسد في شعر الشاعرة لابد أن يكون متوازناً مع روحها، وأن تتنامى الأنا الأنثويّـة المشربة بالإبداع لتجد لها متنفساً خارج حدود الرجل المنغلق على نرجسيّـته، والمتغني بجسدها لتُنجز لها طابعاً تعبيرياً خاصّـاً ذا منظومة من القيـّم الأخلاقيّة والجماليّة.
أما (بديعة كشغري) فشددت على الخطوط الرفيعة بين الابتذال والفنية، حيث رأت: لا أميل إلى وضع «ضوابط» عامة أو خاصة بالشاعرة حول كيفية التعبير عن حضور الجسد. ولكن في اعتقادي أنَّ الشعراء يجب أن يرتقوا بتقنياتهم الفنيّة لاسيما في قصائد الغزل والوجدان. ويجب الانتباه إلى الخيط الرفيع بين الغزل والعهر (في قصائد الرجال خاصة)، فأنا ضد الغزل المبتذل بشكل عام.
وتفسر (كوثر الأربش) حضور الجسد في قصيدتها بفلسفة خاصة، حيث تقول: الجسد آخر محطة يبدأ بها عنصر الحب امتزاجه بالروح. الجسد ليس دائماً حاضراً بكله، ولا أميل لذكر أعضاء الأنثى بمسمياتها, أعتبر ذاك مسؤولية الراغبين بالوصول للقارئ بأقل تكلفة. أحب استعارة الطبيعة لأسمي بها كائنات أنثوية غاية في الخصوصية. ولا أذكر أنني أوردت الرَجل كجسد إطلاقا.
*
*
*
*
*
*
على مقصلة النقد !
في قراءة لرؤى المشارِكات في الطرح ينحت الناقد (حامد بن عقيل) ملامح نهائية لحضور الجسد في القصيدة من وجهة نظر الشاعرات يدشنها بقوله: تشارك في هذا الطرح سبع شواعر، ويمكن البدء بقراءة استجابة (هيلدا إسماعيل، وأمل القثامي، وكوثر الأربش). فقد ذهبت الأولى إلى اعتبار المعنى الاحتمالي هو ما ترتكز عليه جمالية النّص الشعري بدلالة واضحة على وعيها بفرادة اللغة الشِعرية في التعبير، وخطورتها كأداة تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح. وهو ما يجعل «الشِعر» عرضة للتآويل المجتمعية الخاضعة لفكرٍ مسبق لا بد من أخذه في الحسبان عند التعبير في ظل ما طرأ في العرف الحديث على «لغة الجسد» من تغيّر أدخلها دائرة العيب.
أما (أمل القثامي) فيبدو أنها لا ترتهن إلى خصوصية أنثوية تصطبغ بها نظرتها للتعبير الشِعري، فالجسد لديها هو الحياة. فتخفُّ في مشاركتها وتيرة الإدانة لمجتمعها الذي يكاد يجمع طرح الشواعر المشارِكات على أنه أحد أهم العوائق الحادة من التعبير الشِعري لدى المرأة. فتتماهى مع هذا المجتمع الذكوري، وتعيد، بوعي أو بدونه، إنتاج مقولاته والتصالح معها.
بينما ترى (كوثر الأربش) أنَّ لا ضرورة لإقحام الجسد داخل النّص إلا إذا دعت الحاجة، في إشارة واضحة إلى أنها تستخدمه كأداة للتعبير عن مرجعية يتم الركون إليها كأصل له ما يقابله في الحياة، وبهذه الصور الممثلة للجسد يمكن الاستغناء عن مسمياته الضّيقة التي لا يلجأ إليها إلا من أراد الوصول إلى الجماهير بأقل جهد. وهي نظرة فريدة فيما يتعلق بالفن الشِعري ووظيفته، إذ لم تسعَ لنفي أو إثبات حضور الجسد في النص الشِعري قدر سعيها لبيان فاعليته في استجلاء عوالم موازية وممثلة له في آن.
وفيما يتعلق بالشواعر الأخريات فتُجمع (غيداء المنفى، وأمل الفرج، وأسماء الزهراني) على أنَّ الحصار الذهني الناتج عن تسلّط ذكوري هو السبب في تغيّب الجسد عن قصائد الشواعر، بينما ترى (بديعة كشغري) أنَّ نظرة المبدعة لذاتها هي السبب في الغياب، دون إغفال الإشارة إلى أن هذا نتيجة لواقع اجتماعي مؤثر يربط الجسد بالجنس، فهو الفاعل في الغياب اللاواعي للجسد عن قصائد الشواعر، فيما تنقسم البقية حول وعيهن بحضور أو غياب الجسد في نصوصهن، ولعل في ذلك ما يدل على تعرض الشواعر بشكل دائم إلى فعالية تجريبية لا متناهية فيما يخص موقفهن من التعبير عن الجسد في منجزهن الشعري، ولعل هذا الارتباك الممتد ناتج عن عدم وضوح التحولات الاجتماعية بخصوص هذا الموضوع تحديداً، أو نظرته لحرية التعبير بعمومها، وخصوصاً لدى المرأة، ما جعل تجاربهن الكتابية تبدو تجريباً لا تهدف إلى الخوض في مناطق تعبيرية جديدة، وإنما اختبار مدى القبول الاجتماعي لهذا التجريب.
أما فيما يتعلق بالمحور الذي يقابل بين حضور الجسد في السرد والشِعر ارتكزت استجابات الشواعر الأربع على الرمزية التي يختص بها الشِعر عن الفن السردي، كما أشارت (الزهراني) إلى نخبوية هذا الفن مقابل جماهيرية السرد. وهذا ما يدل على أن الشواعر على وعي كبير بأنَّ رمزية الشِعر كامنة في ثبات الزمن داخله، إذ لا يمكن أن يحتوي على تفصيلات في القول تمنع المتلقي من إساءة فهم الرمز عند خوض غمار البوح بما لا يُحبّذ المجتمع الشرقي الخوض فيه.
لقد اختار القرآن الكريم القصة لسرد قصص الأمم لاشتمالها على الحركة الزمنية، بينما لو أريد لهذه القصص أن تروى بأسلوب شِعري لدخلت دائرة الأسطرة، وهو ما جعل الشِعر في منأى دائم عن التفصيل والاتكاء على الرمز. إلا أن تفسير الشواعر لنظرة المتلقي لا تنفصل عن البنية الذهنية الاجتماعية المتزمتة في نظرتها للرمز الجسدي في قصائدهن، والتي وصفتها (الزهراني) بأنها نظرة يغلب عليها الجرأة، فيما رأت (الفرج) أنه فضاء مفتوح للتآويل المجتمعية المتماهية مع نظرة مسبقة لإبداع المرأة.
وهذا ما يجعل المشارِكات يكدن يجمعن على رفض أي ضوابط للإبداع الشِعري النسوي بمعزل عن السقف الاجتماعي العام أسوة بالرجل. وقد جاءت استجابات الشواعر حول ربط النص الجسدي بالأدب الأيروتيكي متشابهة الدلالات رغم تناقض الاستجابات، إلا أن اختلاف الاستجابات لا ينفي أن الدال العام لها يشير إلى أن شاعرية الأنثى، كما ينظرن، لا تكمن في بنائيتها اللغوية، ولا في الصور الشِعرية المستقاة من خلال حضور الجسد، ولكنها شِعرية كامنة في الموقف الاجتماعي والنفسي الذي نجد المرأة تنحاز إليه في الغالب، ما يجعلها عرضة للتناقض المعرفي بين نظرتها الاجتماعية ومنجزها الإبداعي، وعرضة للتناقض الوجداني بين كونها جزءاً من منظومة اجتماعية أخلاقية ذات ضوابط هلامية غير واضحة المعالم، وبين كونها ترى في ذاتها ندّاً للرجل في تعبيره عن الجزء الحسي المتعلق بهذه التجربة.
ويختم بقوله: إنَّ مثل هذا الطرح في عمومه، دال على وجود ارتباك في نظرة الشواعر إلى وظيفة الجسد في النّص الشِعري، وعلى وجود تناقض بين ما يطرحنه تنظيراً، وما يمارسنه أثناء إنجازهن لنصوصهن الشِعرية، ولعل في هذا ما يؤكد على أثر «المسكوت عنه» بعمومه، ومنه الجسد، في توجيه الإبداع الشعري النسوي لمحاولة التعبير عنه في حدوده الدنيا، أو السعي لتبرير غيابه نتيجة لوجود بنية ذهنية مجتمعية معيقة لحرية الإبداع، ولا تقبل اختراق سقفها الأعلى، أو حتى الاقتراب منه.